مالك الزغدودي-
شهد شهر جانفي موجة احتجاجات جديدة لم تكن هذه المرة كسابقاتها في السنوات القليلة الماضية، بل كانت أكثر حدة وانطلقت شرارتها الأولى، لا بشكل عفوي كما درجت عليه العادة في تونس، بل بدعوة شبابية تحت مظلة حملة “فاش نستناو”، جمعت هذه الحملة مجموعة من الشباب التونسي الغاضب على قانون الميزانية وتأثيره على وضعهم جراء ما يعانونه من بطالة أصبحت مزمنة في تونس وما انجر عن هذا القانون من زيادات في أسعار بعض المواد الأساسية والمحروقات وبالتالي تأثيراته غير المباشرة على تكاليف النقل وغيره من الأساسيات اليومية للمواطن التونسي.
“فاش نستناو” كانت في مسار مشابه لما سبقها من الحملات سواء على الصعيدين المحلي أو الإقليمي وحتى العالمي عبر انتشار مقاربة التنظم الأفقي المطلبي والمظلة الجامعة من أجل هدف أو مجموعة من الأهداف تكون واضحة ومحددة، يفسح فيها المجال لطيف واسع من الفاعلين وتكون حتى المسيرات والإحتجاجات بطابع شبابي مستحدث بشعارات وأهازيج تراوح بين العربية السهلة المتداولة والعامية التى لا تخلوا من شحنة الوعي وسلاسة الوصول لأكبر شريحة ممكنة، نذكر مثلا أحد الشعارات التي ملأت الحيطان التونسية والمسيرات من حملة “مانيش مسامح” إلى “حاسبهم” مرورا بـ”موش على كيفك” وصولا إلى حملة الساعة ضد قانون المالية وخوصصة الشركات الوطنية وبعض المطالب الأخرى “فاش نستناو”.
أهم هذه الشعارات “هاذي موش دولة هاذي ضيعة محروس” وضيعة محروس هو مسلسل تلفزيوني للأطفال شاهده تقريبا جل هذا الجيل المحتج، كما رن في أذان التونسيين شعار “يا رب طيح فيهم راهم سراقة” في إحالة لحالة الفساد المستشرية في كل مفاصل الدولة على حدّ تعبير حمزة نصري أحد وجوه حملة “فاش نستناو” الشبابية البارزة.
حيث اعتبر هذا الأخير أن سياسة الحكومة هي المسؤولة على وضع البلاد اليوم و خاصة شبابها كأثمن رأسمال بشري تملكه. فقد عرج حمزة نصري على هروب الشباب لحلّ الهجرة السريّة وحمل الدولة كامل المسؤولية.
كما عبر عن استغرابه من عدم تقديم أي موقف رسمي أو إيجاد حلول وتشجيع للأدمغة فتونس اليوم هي ثاني بلد عربي في هجرة الكفاءات خاصة المهندسين الشبان. ويمكن أن تكون حملة “فاش نستناوا” من حيث جماهريتها في الشارع أو في عدد الهشتاغات في وسائط التواصل الإجتماعي ووقعها في دفع الإحتجاجات ومحاولة تأطيرها حققت نوعا من صعود جيل جديد من قادة الرأي الشباب المأثرين المنغرسين في أحيائهم فهم صوت ذلك الهامش الذي يريد أن يفتك حيزا في الفضاء العمومي والإعلام الرسمي.
هذه الحملة أشبه بولادة خطاب جديد متمرد على الأبوية التى تتعامل بها الحكومة مع المحتجين وهذا ما لمسناه في أحد حوارات أحد الوزراء مع شباب من الحملة. وحتى على المستوى التواصلي فقد وزعت الحملة بيانات قصيرة باللغة العامية وهي اليوم تسعى لطباعة مليون بيان لتوزيعه.
صعود صوت الهوامش وظهور وجوه شبابية تطرح البديل وتخلق بدائل مجتمعية ونوعا آخر من الإحتجاج الفني المقاوم كما شهدته مسيرة الحملة في الذكرى السابعة للثورة التونسية من خلال نزول مهرجين يمزجون بين السخرية والإحتجاج على الواقع هو شكل مبتكر وجديد في أشكال الإحتجاجات الشبابية والشعبية عموما.
يمكن أن نشير كذلك للعدد الكبير من الايقافات في صفوف الشباب حيث وصل الرقم إلى قرابة التسع مئة شاب حسب تصريح الناطق الرسمي لوزارة الداخلية، من ضمنهم شباب حملة “فاش نستناو”. ولكن رغم كل هذا تحمل الحملة في رسائلها المطلبية والإحتجاجية الرسالة الأصل وهي أن التونسيين لن يفرّطوا قيد أنملة في مطلب الحرية والكرامة.
بقلم: مالك الزغدودي ناشط شبابي مجاز في الفلسفة