هيئة الحقيقة والكرامة الصورة الناقصة والحقيقة المنكفئة

26 نوفمبر 2016 - الساعة 00 و 54 دقيقة
12
بقلم : باسل ترجمان

 انتهت الجلسة الأولى لهيئة الحقيقة والكرامة بعد أن أسالت قبل وبعد انعقادها الكثير من الحبر، وأعطت انطباعاً مسرحي الأداء لم يكن التوازن في صياغة المشهد ناجحاً بشكل يقنع المتابع والمشاهد الذي يعيش الحدث ويعرف الكثير من حقائقه.

التعذيب والقتل والجرائم التي ارتكبت قضايا يتفق الجميع على اعتبارها جرائم تدان بكل ما يمكن أن تحمله الكلمات من معاني، القهر والأسى ونظرات العيون التي مازالت تحمل انكسار الذات أمام الظلم حركت في نفوس الأغلبية الساحقة الأحاسيس بمدى ما اقترف من ظلم بحق الضحايا من مات منهم ومن بقي على قيد الحياة يحلمون بما يمكن أن ينصف عذاباتهم وينسيهم جراح الماضي.

بعيدا عن التوصيف السياسي والمماحكات الحزبية ومحاولة كل طرف توظيف المشهد لكسب التعاطف خلقت أولى الجلسات حالة من الشد بين مختلف الأطراف التي تقدم نفسها في صورة الضحية أو من يتم توجيه الصورة لها في صورة الجلاد، ولم تستطع الهيئة في أولى جلساتها الخروج من نمطية الصورة والقفز من الساحة الحزبية للبحث عن الحقيقة، وخلق التركيز على بعض الملفات دون سواها تعبيراً عن محاولة توجيه التركيز على قضايا دون أخرى.

يبقى موضوع مقتل رشيد الشماخي وفيصل بركات أحد اكبر ملفات جرائم النظام السابق دموية وعنفاً خاصة في ظل صمت مريب لكل الأطراف سواء في الحكم أو في حركة النهضة عن الموضوع ومحاولة كشف أسراره مازالت خافية، فخلال مرحلة الصدام بين نظام بن علي والنهضة والذي كان أساسه محاولة السيطرة على الحكم في صدام دموي بين مشروعين لا علاقة لهما من قريب أو بعيد بالحرية والديمقراطية وتجسيد دولة العدل بل مشاريع اصطدمت بين حلم إقامة دولة إسلامية وواقع استمرار الدولة بمفهومها الذي تجسد منذ الاستقلال برفض الديمقراطية وتجسيد رؤية الحزب الأوحد والزعيم الأوحد.

شهادات أسر الضحايا عن وحشية التعذيب الذي تعرض لها الشماخي وبركات تطرح تساؤلات كبيرة حول السبب وراء ذلك مع هذه المجموعة دون سواها في ولاية نابل رغم أن نظام بن علي كان وقتها قد نجح في صيد حيتان حركة النهضة الكبيرة ومع ذلك لم تتم معاملتهم بنفس الوحشية التي تعرض لها هؤلاء.

بالتأكيد ليس هناك أي تبرير للتعذيب ولكن التساؤل الذي لم يوجد له جواب لماذا هؤلاء دون سواهم وهل كانت عناصر هذه المجموعة تعد لشيء ما أفقد نظام بن علي صوابه ودفعه لارتكاب أفعال بهذا الحجم من الوحشية في وقت قصير.

ربما ننتظر أجوبة من قيادة حركة النهضة التي عودت الجميع على الردود الهلامية وضبابية المعنى في كل تساؤل تجد حرجا في الإجابة عليه أو يخرجها من ثوب الضحية التي تحاول أن تبقى متعلقة بإطرافه حتى وإن فقدت القدرة على الظهور به بعد سنوات من سقوط نظام بن علي.

الشهادة العفوية والمؤثرة لشقيق رشيد الشماخي رفعت الغطاء عن نقاط مهمة خاصة فيما تعلق كما قال "أن شقيقه قام بعملية حيث ذهب بمهمة إلى قربة ورصدته حينها أجهزة الأمن وحاولت إيقافه"، لكن المؤكد أن مجموعة الوطن القبلي التي توزعت بين مدينتي سليمان ومنزل بوزلفة لم تكن من المجموعات العادية لحركة النهضة التي كان نظام بن علي يطاردها بتهم الانتماء للحركة أو لبعض أجنحتها التنظيمية.

ما ذكرته السجينة السابقة بسمه البعلي في شهادة مؤثرة تحدثت فيه عما تعرضت له من انتهاك لكرامتها والتعذيب والتي قالت فيها إنها كانت شاهدة عن عمليات بحث وتفتيش يقوم بها أعوان الأمن في مناطق مختلفة في منزل بوزلفة للبحث عن ماذا ؟؟؟ بعد إيقاف فيصل بركات ثم رشيد الشماخي، وهنا يكمن السؤال اللغز.

لا يمكن لعاقل أن يبرر أو يقبل ما ارتكب من جرائم بحق هؤلاء والتعذيب جريمة اكبر من النسيان، والمهم في هذا الملف الذي قتل فيه بركات والشماخي معرفة الحقيقة كاملة لأن ما تعرضوا له وهم عناصر ليست متقدمة في سلم قيادة الحركة يظهر أن الكثير من الأشياء ما زالت خافية في الملف، والمطلوب من قيادة حركة النهضة وفي مسؤولية تاريخية لها عن الملف أن توضح دور هذه المجموعة والمهام المكلفة بها حتى يستطيع الجميع البدء بالحديث عن عدالة انتقالية متكاملة المعاني.

البحث في القضايا التي شكلت صفحات سوداء في تاريخ تونس خلال الصراع على السلطة بين نظام بن علي وحركة النهضة بعد فشل التفاهمات التي جرت بينهما قبل انتخابات 1989 ولم تنجز، تحتاج شجاعة للحديث عنها خارج إطار مفهوم الجلاد والضحية الذي سيفقد مع كل شهادة جديدة مصداقيته، ومحاولة إيهام الناس بأن حركة النهضة كانت حينها فئة أمنت بربها واعتدى عليها نظام بن علي سقطت بعد سقوط النظام والذاكرة الجماعية تسعى اليوم لكشف الحقيقة ومعرفة كل القضايا وتفاصيلها المختفية حتى لا يكون في مستقبل تونس ضحايا وجلادين جدد ويعرف الجميع دور كل الأطراف في تفاصيل تاريخ مازال ليوم الناس هذا مجهول الحقائق.

الكلمات المفاتيح: 

  • هيئة الحقيقة والكرامة، فيصل بركات، رشيد الشماخي، التعذيب