تونس بعد الثورة: من سطوة الدولة إلى هيمنة "القبلية" الجديدة

23 ديسمبر 2016 - الساعة 17 و 42 دقيقة
12
بقلم : سالم بن حسين

لعل من ايجابيات الجدل الواسع  الذي حصل حول مناقشة قانون المالية لسنة 2017 ان جعل التونسيين يلتفتون إلى حقيقة مفزعة ومربكة تكشفت لهم  متمثلة في الحجم المتنامي للقطاعية المهنية التي تحولت إلى قوة مهابة ومتضخمة يقرأ لها ألف حساب ويجعلها عاملا مهما لفهم طبيعة المرحلة ومألتها، هذه الحقيقة ليست وليدة اليوم كما قذ يتبادر للاذهان وانما تناسلت مقدماتها في تضاعيف النسيج المجتمعي التونسي منذ الأيام الأولى التي تلت الثورة وساهمت هذه القطاعية في تشكيل ملامح الوضع السائد في جوانبه السياسية والإقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية.

فمنذ البداية سارعت عديد القطاعات المهنية –وبتفاوت- إلى تصدر المشهد السياسي و إدعاء الأحقية بقيادة المرحلة بالإستناد إلى الشرعية الثورية والأرصدة النضالية واحتكرت بعض القطاعات المشهد العام بتصدر افراد منها المشهد الأعلامي و السياسي و التغلغل في الأحزاب و المنظمات و الهيئات.

ولئن كانت القطاعية المهنية محبذة ومطلوبة في المطلق باعتبار دورها التعديلي الهام الذي تلعبه، ولكون تجربة التنظم القطاعي في تونس تجربة رائدة وحرية بالتقدير ما جعلها تلعب أدوارا ذات بال في تشكيل الوعي العام و تثبيت الحقوق للمنظورين وخلق التوازن المنشود بما بعود بالنفع على الجميع ، إلا انه مع تراجع دور الدولة بعد الثورة و إنكشاف ضعفها و تراجع هيبتها، حدثت تحولات في بنية القطاعية المهنية التي اكسبت زخما جديدا جعلها اكثر قوة

من اللزوم وتجاوزت الحدود المتعارف عليها، و صًارت تلعب ادوارا أكبر من حجمها الطبيعي و أكثر مما يطلبه المجتمع من مثل هذه الجماعات و مايقره المنطق السليم و ماهو متعارف عليه في الدول المستقرة. 

والحقيقة أنه بتعميق النظرفي الأسلوب المتبع عند تحرك بعض القطاعات المهنية والوقوف على الملفوظ الشفوي لبعض عناصرها وخطابات زعمائها و طريقة تعاملهم مع المجتمع والدولة تجعلنا نصطدم بحقيقة مرعبة و خطيرة وهو حضور النزعة القبلية في كل ذلك والتي تعبر عنها سلوك الفاعلين المرتبط بتغليب الولاء للمجموعة القبلية و لهويتها قبل أي ولاء اخر، خاصة و ان النزعة القبلية مازالت محافظة على بذور وجودها في الوجدان الجماعي والتنشئة الثقافية فالممارسات القائمة على حضور الذهنية والوعي لم تغيبا عن العلاقات الإجتماعية بمعناها الواسع، ولئن تراجع في بلادنا دور القبلية باشكالها التقليدية إلا في حدود ضيقة، إلا أن الذهنية القبلية بصدد اكتساح النسيج المجتمعي وهي تتغلغل في جسم اكثرالقطاعات المهنية التي نراها تتحرك بنفس المنطق القبلي بعد أن استبدلت القرابة الدموية بالزمالة المهنية وساد شعار انصر اخاك ظالما اومظلوما واسلوب الغنيمة، واستبدل شرف القبيلة بشرف المهنة ما يدفع إلى التأكيد على استمرار سريان الأعراف القبلية و القيم البدوية داخل المنظومة الاجتماعية الحديثة على الرغم من ظاهرة التحضر السريع.بما يدعم القول بان مجتمعنا لم يفقد بعدعلاماته التقليدة بل نجده قد أدمج تمثلاتها في أطر ميكرواجتماعية تهيمن عليها الروابط العاطفية.

وقد خلق هذا الوضع واقعا صعبا يتسم بتشظي المجتمع و إنقسامه الى مجموعات ذات سحنة قبلية متخفية في لبوس مهني ، تتعامل مع الواقع المعقد بطريقة تجزيئية تعلو فيها مصلحة القبيلة المهنية على المصلحة الوطنية، و قد راينا ان ذلك إنتقل حتى إلى مؤسسات الدولة التي لم تخلو من الذهنية القبلية المهنية حيث تنظمت داخلها أدوات ضغط ولوبيات لخدمة هذا الطرف المهني أو ذاك وظهر ذلك بوضوح عند مناقشة ميزانية الدولة في مجلس النواب حيث اصطف النواب المنتمين إلى مهنة واحدة ضد تمرير فصل رأوا فيه مسا بمصلحة المهنة برغم اختلافاتهم الحزبية والأيديولجية، وبالتمعن اكثر في سلوك هذه "القبائل" المهنية أثناء مفاوضاتها مع الدولة فانها في الغالب تكون بعيدة عن أساليب التفاوض الحديث القائم على تحقيق منافع متبادلة وتنازلات والقيام بإلتزامات من الجانبين، فان المنطق القبلي نراه يسود اهذه المفاوضات مما يدل بوضوح على أن  "القبيلة" المهنية تدفع الطرف الأخر إلى الإستسلام التام والخضوع لشروطها تحت وقع أسلحتها المشرعة بقطع النظر عن الأضرار التي يمكن ان تلحقها بالصالح العام ، بما يعني ترسخ الذهنية القبلية و تجذرها في غالب القطاعات وانتقالها إلى الحيز السياسي ما ساهم في تأزيم  وضع البلاد واهتزاز صورتها و انهياردعائم إقتصادها. 

حدث هذا بعد ان سادت قناعة ومنذ بداية الثورة على أن الأمر يتعلق بغنيمة وعلى كل طرف أن يكافح من أجل نيل النصيب الأوفرمن الكعكة، و رأينا كبف أن القطاعية المهنية تقاوم بشراسة أي تمش اصلاحي مهما كان بسيطا في أي قطاع فما بالك بتوجهات ثورية ذات تغيير شامل ، وهذا ربما ما جعل عديد الثورات تتشدد في التعامل التجمعات المهنية كما حدث مع الثورة الفرنسية التي قامت بالأساس على إشاعة الحقوق بكل تنويعاتها نجدها في هذه الحالة قد منعت حق التأزرالمهني وألغت الجماعات الحرفية منذ سنة 1791 بعد أن أتهمتها بأنها تطالب أفرادها بالخضوع المطلق المبطل لكل حرية.وتحولهم إلى أشبه بالقطيع الذي يأتمر بأوامر قلة متشددة.

فهل تكون الثورة التونسية – ان صحت العبارة – قد وقعت ضحية للقطاعية المهنية التي قطعت الطريق أمام أي مسار ثوري حقيقي ، وساهمت في تأزيم الوضع،بما دفع الكثير من التونسيين الى التأسف على زمن سطوة الدولة أمام ما يعيشونه من غطرسة هذه "القبائل" الجديدة.

أهم الأخبار