تحتضن تونس العاصمة من 20 إلى 22 جويلية 2026 أشغال المؤتمر العربي الثامن للتقاعد والتأمينات الاجتماعية تحت شعار “رحلة الإصلاحات نحو الأمن التقاعدي”، الذي تنظمه مؤسسة “ميناموني” البحرينية بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية وصناديق الضمان الاجتماعي الثلاث ومركز البحوث والدراسات الاجتماعية.
ويجمع هذا الحدث الإقليمي عدداً من الخبراء والمسؤولين وممثلي مؤسسات الضمان الاجتماعي من الدول العربية، بهدف بحث مستقبل أنظمة التقاعد وتعزيز استدامة المنافع الاجتماعية، من خلال تبادل التجارب حول إصلاح صناديق التقاعد، وتقييم نماذج الحوكمة والتمويل، إلى جانب بحث دور تأمينات الحياة في توفير دخل تقاعدي تكميلي وآليات إعادة التأمين في الحد من مخاطر العجز.
كما يمثل المؤتمر فضاءً لتسليط الضوء على التحديات التي تواجه منظومات الحماية الاجتماعية، خاصة في ظل التحولات الديمغرافية والاقتصادية، مع التركيز على دور الاستثمار، والمراجعات الإكتوارية، والتحول الرقمي في ضمان ديمومة صناديق التقاعد وتحسين خدماتها.
إعادة تشكيل منظومة الضمان الاجتماعي
وأكد وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، في تصريح إعلامي خلال افتتاح أشغال المؤتمر، أن احتضان تونس لهذا الحدث يتزامن مع إعداد برنامج شامل لإعادة هيكلة منظومة الضمان الاجتماعي، مشيراً إلى أن الإصلاحات المنتظرة لا تقتصر على أنظمة التقاعد فقط، بل تشمل منظومة الحماية الاجتماعية ككل.
وأوضح الوزير أن التوجه الحالي يستند إلى تعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بإعادة النظر في منظومة الحماية الاجتماعية بهدف تحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية، مؤكداً أن الغاية الأساسية من الإصلاح ليست فقط تحقيق التوازنات المالية للصناديق، وإنما جعل منظومة الضمان الاجتماعي أداة فعلية لضمان حقوق المواطنين.
وقال عصام الأحمر إن التصور الجديد يقوم على “إعادة تشكيل المنظومة وفق حاجيات المواطن التونسي وليس وفق مقاربات نظرية أو محاسبتية فقط”، مضيفاً أن الهدف هو الانتقال من منطق الحد الأدنى من الضمانات إلى توفير مستوى لائق ومعقول من الحماية الاجتماعية.
وأشار الوزير إلى أن التصور الجديد لن يقتصر على معالجة وضعية الصناديق، بل سيشمل مختلف مكونات المنظومة، بما فيها الأنظمة المساهماتية وغير المساهماتية، وجميع آليات التدخل الاجتماعي.
إصلاح أنظمة التقاعد وتجاوز الضغوط المالية
وبخصوص الضغوط المالية التي تواجه صناديق الضمان الاجتماعي، أوضح الوزير أن هذه الإشكالية لا تخص تونس فقط، بل تمثل تحدياً مشتركاً لمختلف الدول، نتيجة تغير التركيبة الديمغرافية وتراجع التوازن بين الموارد والنفقات.
وبيّن أن الأنظمة التوزيعية للتقاعد تواجه صعوبات متزايدة بسبب التحولات الديمغرافية وارتفاع متوسط الأعمار، مؤكداً أن معالجة هذا الوضع تستوجب مراجعة شاملة لأنظمة الضمان الاجتماعي بعيداً عن الحلول الجزئية.
وشدد على أن الإصلاحات القادمة ستأخذ بعين الاعتبار مبدأ العدالة بين مختلف الفئات، مع ضرورة احترام خصوصيات كل نظام، باعتبار أن طبيعة التمويل وتركيبة الفئات المستفيدة تؤثران في طبيعة المنافع المسندة.
نحو تقليص الفوارق بين أنظمة التقاعد
وفي رده على التساؤلات المتعلقة بالفوارق بين جرايات التقاعد في القطاعين العام والخاص، أكد وزير الشؤون الاجتماعية أن من بين المحاور الأساسية للإصلاح العمل على إلغاء التمييز داخل منظومة الضمان الاجتماعي وبين مختلف الأنظمة.
وأوضح أن اختلاف الأنظمة كان مرتبطاً في السابق بسياقات اقتصادية واجتماعية معينة، غير أن التحولات الحالية تفرض إعادة بناء المنظومة على أساس الحقوق والعدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على خصوصية كل فئة وآليات تمويلها.
وفي جانب آخر، تطرق الوزير إلى مشاريع النصوص المتعلقة بالعمل عن بعد واقتصاد المنصات، مؤكداً ضرورة التمييز بين المفهومين.
وأوضح أن العمل عن بعد يمثل شكلاً من أشكال العمل التقليدي يتم إنجازه باستعمال الوسائل التكنولوجية خارج مقرات العمل، بينما يقوم اقتصاد المنصات على استخدام التكنولوجيا كوسيط لاتخاذ القرار وتنظيم العلاقة المهنية.
وأكد أن الوزارة أعدت مشروعين خاصين بهذين المجالين بهدف جعلهما رافداً من روافد الاقتصاد وأداة لتعزيز الحماية الاجتماعية لفئات جديدة من العاملين، باعتبار أن المنظومات الحالية لا تستجيب بالكامل لخصوصيات هذه الفئات.
الزيادات في الأجور تشمل المتقاعدين
وبخصوص الزيادات في الأجور وانعكاساتها على المتقاعدين، أكد عصام الأحمر أن هذه الزيادات تشمل جميع المستحقين، موضحاً أن بعض الإشكاليات التقنية والإدارية المرتبطة بترتيب الملفات لا تعدو أن تكون مسائل إجرائية سيتم استكمال تسويتها.
وأشار إلى أن عملية صرف الزيادات تتطلب عمليات مراقبة وتثبت لضمان تطبيقها بالشكل الصحيح، مؤكداً أن القرار المتعلق بها صادر عن رئيس الجمهورية وأن الوزارة تعمل على تنفيذه.
وأكد وزير الشؤون الاجتماعية أن الوزارة أعدت مخططاً تنفيذياً للتصور الجديد لمنظومة الضمان الاجتماعي، مشيراً إلى أنه سيتم الإعلان عنه في الوقت المناسب بعد استكمال مختلف الجوانب الفنية.
ويأتي تنظيم المؤتمر العربي الثامن للتقاعد والتأمينات الاجتماعية في ظرف إقليمي ودولي يشهد إعادة تقييم واسعة لنماذج الحماية الاجتماعية، بما يجعل من تبادل الخبرات والتجارب بين الدول فرصة لوضع مقاربات جديدة تضمن استدامة أنظمة التقاعد وتحقيق الأمن الاجتماعي للأجيال القادمة.