المسؤولية الإعلامية في تغطية الأحداث الإرهابية

0 comments 12 عدد المشاهدات
في كتابه بعنوان "اعلام لا اتصال" يشير الكاتب الفرنسي دومينيك وولطن إلى أن "الصحافي ليس صديقا للمواطن ولا للسلطة ولا للقاضي"، في تحديده لوظيفة الصحافي في عمله الدؤوب من أجل أن يقوم بوظيفته المتمثلة في نقل المعلومة بحيادية.

الكاتب كان يتعرض في كتابه إلى قوة الاعلام وتأثيره على جمهور واسع مع انتشار وسائل الاعلام الالكتروني واسعة الانتشار، وتغيير قواعد العمل الصحفي مما سمح ببروز خلط بين وظيفتي الإعلامي والاتصالي.

ولعل ما كتبه وولطن يستقيم في رؤيته لعمل الصحفي كناقل للخبر، وتنصيصه على مسؤوليته الكبيرة في نقل الخبر بكل دقة ولكن بسرعة كبيرة تتحدد مع طبيعة الأحداث التي يعالجها وبمختلف المصادر المتاحة.

لكن طبيعة المسؤولية الملقاة على الصحفي في القيام بعمله بمهنية في تغطيته للأحداث قد تدفعه في مناسبات الى ارتكاب أخطاء والقيام بمهمة أخرى وهي الدعاية لصالح أجندات سياسية أو اقتصادية معينة وهو ما يدخل ضمن العمل الاتصالي.

إلا أنه قد تختلف الآراء إذا ما تحدثنا عن عمل الصحفي في القيام بتغطية الأعمال الإرهابية، التي تستهدف وطنه.

في هذا السياق، وإذا ما تناولنا المسؤولية الملقاة على عاتق الصحفي التونسي في القيام بتغطيته للعمليات الإرهابية التي استهدفت تونس، فإننا يمكن أن نميز بين أربع مسؤوليات يجب على الصحفي مراعاتها في تغطيته للأحداث الإرهابية وهي : المهنية والأخلاقية والوطنية والمعرفية.

1-المسؤولية المهنية:

*العمل الميداني:

وتتمثل أساسا في نقل المعلومة بأمانة وحيادية ونقل ما وجد في ميدان العمليات الإرهابية بكل دقة وحيادية وكذلك بسرعة تفرضها الصبغة السريعة للوسائط الإعلامية الجديدة والتي جعلت من الفضاء الافتراضي مضمارا كبيرا وواسعا للتنافس بين المواقع الالكترونية.

*اختيار المصادر:

تقع على عاتق الصحفي مسؤولية النقل الصحفي بأمانة بما يستوجب أن تكون له مسؤولية في اختيار مصادر المعلومات الأكثر مصداقية، والتي يحبذ فيها أن تكون مصادر مشاركة في التصدي للعمليات الإرهابية، وخاصة من الأمن والجيش الوطنيين وكذلك من خلال شهود عيان على تلك العملية، مما يمكن المتلقي من رسم صورة واضحة حول طبيعة تلك العمليات ونتائجها، وهو ما يؤثر على الرأي العام مباشرة والذي يعبر على هذا التأثير من خلال التغذية الراجعة Feed Back.

كما يؤثر اختيار المصادر على مدى مصداقية وسيلة الاعلام ومدى دقتها في نقل الأخبار، مما قد يساهم في تطورها كما يمكن أن يساهم في تراجعها.

2-المسؤولية الأخلاقية:

قد يتعرض الصحفي خلال عمله في معالجة المعلومات المتوفرة لديه إلى عدة أشكال من المعلومات وعدة معطيات قد تجعل من عمله الصحفي متميزا، لكن بعض تلك المعلومات قد تتسبب في ردة فعل سلبية إزاءها خاصة اذا ما تعلق الأمر بالتركيز على ابراز الطابع الدموي لهذه العمليات، وهو ما قد لا يراعي لا مقتضيات حقوق الانسان، فالمتلقي يمكن أن يتأثر بنقل المشاهد الدموية مما قد يتسبب له في هرسلة نفسية كبيرة تؤثر سلبا على الرأي العام، وتتسبب في نتائج سلبية على النفسية الاجتماعية.

فنشر صور تحيل إلى قوة التنظيم الإرهابي واثار دماء كبيرة قد تجعل المتلقي ينظر إلى الإرهاب كقوة موازية لقوة الدولة.

كما أن نشر صور أو معلومات تفصيلية حول أماكن إصابة الأمنيين والعسكريين أو نشر صور القتلى الإرهابيين قد يتسبب في أذى نفسي كبير بالنسبة للمتلقي، ويثير البلبلة في الرأي العام، وهذا ما سقط فيه الاعلام التونسي في تغطية مجمل الأحداث الإرهابية.

فالصحفي يتعامل من منطلق نقل الخبر بدقة وبصفة فورية وبطريقة فيها الكثير من الاثارة حتى على حساب الحدث ذاته من خلال العنونة التي في كثير من الأحوال لا تعكس حتى كنه الخبر ذاته مما دفع الاعلام بالكترونيه ومكتوبه ومسموعه ومرئيه الى الدخول في فخ لاأخلاقي جديد وهو التهويل من دون إدراك لحجم الضرر النفسي الذي يمكن أن يحدثه على المتلقي.

ان هذا التعامل اللاأخلاقي في تقصي المعلومات أو في طريقة عرضها قد يتسبب في الكثير من المطبات حتى على حساب العملية الإرهابية أو حتى على المتلقي المتشوق لاشباع رغبته في كل ما هو جديد، وهو ما يضرب كذلك مسؤولية الإعلامي الوطنية.

3-المسؤولية الوطنية:

في السياق التونسي، يجد الصحفي نفسه في سياق حرب مفتوحة بين أجندتين، الأولى الأجندة الوطنية والتي تمثلها الدولة ومكونات المجتمع، والثانية هي الأجندة التي تطرحها الحركات الإرهابية.

وفي كثير من العمليات ، فإن التنظيمات الإرهابية كانت تسعى للاستعراض واللعب على حبال حرب نفسية تمارسها على المواطن من خلال وسائل الاعلام التي تسقط في فخ الدعاية لهذه التنظيمات، وذلك ببيان قوة الهجمات التي تقوم بها.

وبهذا تطرح إشكالية في غاية من الأهمية، وهي: كيف يمكن للصحفي أن يضطلع بمسؤوليته المهنية وفي الان نفسه يحترم مسؤوليته الوطنية؟

فالتنظيمات الإرهابية منذ الثورة دخلت في مرحلة انهاك الدولة من خلال عمليات تصيبها في صميم كينونتها وديمومتها، وقد استعملت في الكثير من الأحيان  تعطش وسائل الاعلام للأخبار لتبين أنها أقوى من مؤسسات الدولة وتسعى بذلك الى تخيير المواطن بين "الدولة الضعيفة" والبديل الذي تمثله. هنا يقف الصحفي أمام خيار نقل المعلومات التي تسربها هذه التنظيمات وقد يسقط بقصد او من دون قصد في المساهمة في الدعاية لهذه التنظيمات.

وكثيرا ما انخرطت وسائل الاعلام في تونس وخاصة من قبل المواقع الالكترونية في ابراز البيانات التي تسربها التنظيمات عبر تويتر وفايس بوك، كما حصل في ما يخص صور الشهيد الراعي في المغيلة، وكذلك في ابراز قوته من خلال نشر كلمة التنظيم الإرهابي داعش بعد عملية باردو الإرهابية.

ولعب التنظيم في العملية الأخيرة التي شهدتها بنقردان على احداث حرب نفسية من خلال ابراز سيطرة التنظيم على المدينة وافتكاكها من الأمن والجيش الوطنيين.

لقد كان العامل الإعلامي هو السبب الرئيسي في احتلال مدينة الموصل في العراق، حيث ركز الاعلام العراقي على دموية هذا التنظيم مما تسبب في انسحاب من جانب الجيش العراقي وإحداث البلبلة في صفوفه مما جعل البعض يلقون السلاح، ويكونون فيما بعد لبنة لاحداث إرهاب نفسي جديد من خلال مذبحة قاعدة سبايكر التي ذبح فيها هذا التنظيم أكثر من 1500 عسكري عراقي مما مهد لسيطرته فيما بعد على تكريت ومعظم محافظة نينوى.

*تعارض بين المهام الأمنية ومهمة الصحفي في تغطية الأحداث:

قد يلتجئ الصحفي عند قيامه في تغطية الأحداث الإرهابية الجارية إلى مصادر ثالثة وهو ما قد يعرض العملية الأمنية لخطر الفشل، حيث أكد المتحدث الرسمي السابق لوزارة الداخلية وليد الوقيني في تصريح لجريدة "الصباح" أن التسرع في نشر المعطيات من مصادر موازية أدى في بعض الأحيان لافشال عمليات أمنية.

كلام الوقيني يعكس مدى التضارب بين طبيعة العمل الصحفي في الوصول الى المعلومة والسبق الصحفي وبين ابرازها.

وفي كثير من الأحيان فإن كشف معلومات كاملة حول العملية الأمنية قد يشكل لبنة من الإرهابيين للعمل على افشالها، فمثلا أن تشير بعض المواقع الإعلامية الى أن عملية جارية تستهدف الإرهابي فلان فان ذلك قد يكون مؤشرا لبعض مسانديه للاختباء أو للعمل على تهريبه.

4-المسؤولية المعرفية:

ان الصحفي كفاعل في صناعة الرأي العام قد يلجأ لتقريب وجهة النظر حول العمليات الإرهابية، وقد يلجأ في هذا الاتجاه لتحليل العملية الإرهابية أو الاستئناس بشخص ثالث لتحليل العملية والوقوف على متسبباتها وتأثيراتها ونتائجها، وهنا تلقى على الصحفي مسؤولية جديدة وهي "المسؤولية المعرفية".

فالأحداث الإرهابية في السياق التونسي جديدة، وإطلاق أحكام حولها من خلال التهويل لإحداث الاثارة قد يتسبب في نتيجة معاكسة وهي تخويف المتلقي وبالتالي هذا ما يحدث البلبلة ويكون عنصر ضغط سلبي على تعامل المؤسستين الأمنية والعسكرية في أداء مهامها.

ان عدم اضطلاع الصحفي بهذه المسؤولية قد يتسبب في افقاده لمصداقيته وبالتالي مصداقية وسيلة الاعلام التي يشتغل فيها وهو ما قد يؤدي في الأخير لانتشار ما يمكن أن نطلق عليه "منابر التهويل والبلبلة".

من هنا يجب على الصحفي اختيار الشخص المناسب للاضطلاع بالمسؤولية المعرفية وذلك لأنها ابرز مسؤولية ومن ورائها يكمن تكوين راي عام متوازن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مداخلة قدمت في إطار حلقة نقاشية حول التغطية الإعلامية للأحداث الإٍرهابية في السياق التونسي بتنظيم من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بتاريخ 13 أفريل 2016.

نزار مقني: صحفي ومقرّر لجنة الحريات في النقابة الوطنية للصحفيين التونسين.

Related Posts

آخر الأخبار

استطلاع رأي

تقدّم عدد من نواب مجلس نواب الشعب، بمقترح مشروع قانون لاعتماد نظام الحصة الواحدة في المؤسسات التربوية العمومية، فهل أنت: