على الرغم من اختيارها منذ سنة 2003 التقاعد المهني المبكر بعد تقديمها لاستقالتها من التدريس، فإنّ الحقوقية و الإعلامية نزيهة رجيبة ترفض "استراحة المحارب"، فهي مازالت تنضح حماسة من أجل تغيير ديمقراطي وثوري عميق لطالما حلمت به وناضلت من أجله خلال مسيرة حبلى بالنضالات الفكرية والسياسية و أيضا بالانكسارات و الخيبات.
"أمّ زياد" كما عرفها الرأي العام التونسي اختارت مرّة أخرى أن تكون "نشازا" وسط أجواء "سمفونيّة التوافق" التي كثيرا ما يردّدها الحكّام الجدد لتونس بعيد انتخابات 2014 في ظلّ ائتلاف حكومي يجمع اليوم من كانوا بالأمس القريب أعداء.
حقائق أون لاين التقت المناضلة نزيهة رجيبة التي حدّثتنا على سجيّتها في حوار مطوّل حول مواقفها من أبرز القضايا الجدلية التي تخصّ الوضع الراهن في تونس على المستويين السياسي و الإعلامي علاوة عن الشأن التربوي بصفتها مدرّسة سابقة.
وفي ما يلي نصّ الحوار كاملا:
من الملاحظ أنّك قليلة الظهور في وسائل الإعلام،كثيرة النشاط الفايسبوكي.هل هذا يعكس موقفا منك إزاء المشهد الإعلامي لما بعد 14 جانفي؟
لا. أنا بعد 14 جانفي لم أطرح السؤال الغبي الذي طرحه لطفي زيتون ولم أقل مثله للناس أين كنتم قبل ذلك التاريخ،رغم أنيّ كنت أكتب ضدّ بن علي و أنا في تونس،وهو لم يكن يكتب ضدّه وهو في لندن أو على الأقلّ بمثل حدّتي و شجاعتي.
كان في ذهني 3 أو 4 أسماء مارست التشويه و هتكت أعراض معارضي بن علي.هؤلاء هم من أصحاب الأقلام المجرمة.وقد كان لي منهم موقف وكنت مستعدّة لمقاومتها لكنها صمتت.ولاداعي لذكرها الآن . أنا لا ألاحق من يحفظ كرامته و يتنحى في الوقت المناسب.
طيب بقي بقيّة المشهد.أنا قمت بالتحليل التالي.هؤلاء الناس هم ليسوا مجبرين على أن يكونوا أبطالا على فرض أنيّ قد كنت بطلة.وهم كانوا يعيشون من الصحافة التي لم تكن مهنتي.وهم أيضا لم يتورطوا في البروباغندا الفجّة يعني في "القوادة" وقلب الحقائق وشتم الغير و تشويه الناس وهتك الأعراض.
أنا قلت إنّ هؤلاء قد جاءتهم الحريّة وهم لديهم الحرفية لكي يؤثثوا المشهد. ولا أنا ولا غيري من المتطفلين على مجال الصحافة بضرورة النضال.
في الحقيقة،"استرجلوا" ضدّ ابتلاعيّة النهضة التي نالت تفويضا شعبيا و أرادت استعماله لابتلاع المجتمع. وهذا لا يمكن لحركة النهضة أن تقوم بنفيه فالفيديوهات و الوقائع التي عشناها تعرّي ذلك.
هم الآن يتحدثون و كأنّه ليس هنالك أرشيف ويعولون على ضعف الذاكرة لدى التونسي.
وأنا لم أذهب إلى بعض القنوات و المنابر إلاّ حينما شاهدت كلّ رفاقي السابقين ذهبوا إليها في عديد المرّات على غرار المنصف المرزوقي وغيره.لقد كنت من الأواخر الذين تعاملوا مع الاعلام الذي يعدّ امتدادا للإعلام النوفمبري بأشخاصه و مؤسساته.
و أنا كان أكثر ظهوري في المؤسسات العمومية التي أؤمن بها و بدورها.و الآن صرت أكثر نفورا من الإعلام الخاص.
ما مردّ هذا النفور؟
هم في البداية كما قلت لك "استرجلوا". ولكن أوّل ما لاحظوا عودة النظام القديم بأنفه و شاهدوا الباجي قائد السبسي عادت لهم عادة "بوهم الحنين"،وعاد "التقفيف" و التطبيل و تشويه الحقائق .لاحظ كيف تعاملوا مع أخطاء السبسي مثلا. حينما كان يقول المنصف المرزوقي مجرد كلمة تقام حولها البلاتوهات. السبسي أحيانا يقوم بارتكاب أخطاء و هفوات أشنع بكثير من المرزوقي.
ما تفسيرك لما ترين فيه كيلا بمكيالين في علاقة بالتعاطي الإعلامي مع بعض الشخصيات السياسية؟
هؤلاء تربوا على الذلّ وقد عادوا لأصلهم.وأنا أفسر ذلك أيضا بأنّ النظام القديم هو الذي يملك المال.
أليس من الاجحاف إطلاق هكذا أحكام غير منسبّة على الإعلام برمتّه؟
أنا أرى أنّه يمكن تنسيب بعض الحصص.مثلا أنزّه أحد الأسماء التي لن أذكرها.
من بين البرامج أنزّه حصّة على أخرى.و أنا بشكل عام لا أشكّ في أنّ التلفزات و الإذاعات الخاصّة تقبل بخدمة النظام القديم الذي عاد من جديد.
أنا أعتقد أنّه لا يمكن التحكم في الإعلام الخاص الذي لا يتوّرع عن التصريح بانحيازه لجهة ما. ولكن هنا عليه ألاّ يقول بأنّه مستقّل لأنّها حينها تصبح كذبة.
لا يهمني كثيرا الإعلام الخاص فمشكلتي الحقيقية مع الإعلام العمومي المتخلّي عن واجباته في قيادة المشهد الإعلامي الثوري. وأنا هنا أسطّر على كلمة ثوري لأنيّ أؤمن بأنّ ما حصل في تونس هو ثورة رغم أنف برهان بسيّس و الهرسلة التي يقوم بها في كلّ ليلة وبعض الحصص في قناة الحوار التونسي التي تريد أن تقنعنا بأنّ ما حدث هو انقلاب.
إنّ ماحدث جاء بفضل إنتفاضة الشعب التونسي.قد تكون هناك لعبة أيادي ولكنها لم تصل إلى الحكم.ومن إنقلب لم يحكم ولكنّه الآن يريد العودة إليه سواء كانوا من البوليس أو الوجوه التجمعيّة .
هم لم يحكموا و بالعكس ألدّ أعدائهم من فاز في الانتخابات.الثورة فرصة وهي لاتزال قائمة.
وإذا كتب لها الضياع فإنّ ذلك مردّه أساسا الإعلام وخاصة العمومي وسيضيّع السياسيين الإمّعات الذين كانوا في أغلبهم يعارضون بن علي ثمّ لم يستطيعوا الوقوف كجدار صدّ منيع ضدّ الاستقطاب الثنائي : النهضة-نداء التجمع.
لماذا وصل بي الأمر إلى حدّ شتم الإعلام العمومي ؟ على سبيل الذكر التلفزة الوطنية لم أكن "حنينة" معها لأنّها هي الوحيدة القادرة على مزاحمة السموم التي تبثّ في الإعلام الخاص وبالتالي قيادة قاطرة الإعلام الثوري الذي يؤصّل إرادة التغيير و يبث ثقافة الصبر لدى الناس حول صعوبات الفترة. لاحظ كيف ان الإعلام الخاص كلّما حدث أيّ مستجد إلاّ وقام بتخويف المواطنين من مصير يتحدّث عن الجوع وعدم الاستقرار و الموت من أجل دفعهم نحو الندم على رحيل بن علي والتجمع و الترحيب بالسبسي الذي بان بالكاشف أنّه مفلس ولم يستطع تحقيق أيّ شيء من الوعود الانتخابية.
حقيقة أنا لم أقاطع الإعلام المكتوب ولكن يئست منه ولم يعد لي أيّ استعداد للكتابة في أيّة صحيفة.
ألا يشي هذا الطرح بضرب من التعالي و المثالية المبالغ فيها في شخصيتك؟
قطعا لا. لو كنت متعالية لاكتفيت بتدوينة على الفايسبوك الذي ينسب إلى بسطاء الناس. أنا أحترم نفسي صراحة.أنا أكتب في شبكة التواصل الاجتماعي و أعتقد أنيّ أبلّغ رسائلي حيثما يجب أن تصل. وأحيانا أؤثر وهو ما أستشفه من خلال بعض ردود الأفعال و المكالمات الهاتفية حتّى من بعض المسؤولين في الحكومة الحالية.إنّ عملي حاليا هو لفت الانتباه.
هياكل المهنة في قطاع الإعلام وعلى رأسها نقابة الصحفيين،في إعتقادك إلى أيّ حدّ يمكن أن تتحمّل المسؤولية في الوصول إلى الحالة المقلقة -كما يرى البعض- التي أضحى عليها المشهد الإعلامي اليوم رغم إنفراج مناخ حريّة التعبير؟
بداية أريد أن أشير إلى مسألة لا تذكر حتّى في النقابة. أنا كنت عضوة في النقابة الأولى التي قام بمنعها بن علي والتي ترأسها لطفي حجي وكنّا نجتمع في مكتب شوقي الطبيب.
أنا واكبت الانقلابات كيف وقعت وبن علي كيف قام بمؤتمرات حينما شرع في إفتكاك الجمعيات مثل جمعية القضاة أو المحامين الشبّان.
لقد عايشت الصعوبات التي مرّت بها هذه الجمعيات وكم مرّت عليها من ضربات من صحفيين أنفسهم هم من التابعين لبن علي وقد قاموا بانقلابات.
لاحقا حينما أصبحت نقابة مستقلّة،كنت راضية نسبيّا على ما تقدّمه لأنّها ليست مسؤولة على تحسين المشهد الإعلامي،فهي مسؤولة أساسا عن الدفاع عن الاعلاميين. وربّما هي مسؤولية جزئيا مثلا في مسألة تعيين المديرين العامين للإذاعة و التلفزة باعتبار أنّ لها صوتا و كلمة مع الهايكا .
على ذكر الهيئة التعديلية للإعلام السمعي-البصري(الهايكا)،كيف تقيمين أداءها طوال الفترة الماضية وهي التي تتعرّض حتّى من داخلها لإنتقادات جمّة؟
هنا أذكّر بأنّها قد ولدت مشلولة تقريبا. جميع المؤسسات حاولت النهضة خصيها لأنها ظنّت أنّها ستفوز في الانتخابات الفارطة التي تلت العملية التأسيسية.
هي قامت بوضع هيئات الانتخابات و الحقيقة و الكرامة و الهايكا على مزاجها . لكن تبيّن أنّها قامت بإفساد هياكل و تلغيم المستقبل لكي تورثه للتجمّع.
وحزب التجمع إلى حدّ الآن لم يصل إلى الهايكا. وهو سيحاول كما فعل مع هيئة الحقيقة والكرامة.
الهايكا حاليا تقوم بما تستطيع القيام به.وبفضل بعض العناصر والحزام الذي شكلناه حولها مع كمال العبيدي و جمعية يقظة و الائتلاف المدني و نقابة الصحفيين والاتحاد العام التونسي للشغل ساندنا الهايكا التي وجودها خير من عدمه. وأنا ألاحظ أنّها في طور الانحدار نحو مزيد من الضعف في ظلّ الاستقالات لبعض أعضائها مثل رشيدة النفير التي كانت تقوم بدور جيّد وهي حاليا في خصومة معهم وليست راضية على بعض الرخص التي منحت. كلّ هذا يعكس وجود مشاكل داخلها.
إذا كان هذا هو تشخيصك للوضع الإعلامي ولأداء هياكله المؤثرة فماذا عن رأيك في الوضع العام السياسي بالبلاد بعد إنجاز الانتخابات الأخيرة؟
إنّ الوضع السياسي هو نتاج للوضع الإعلامي.نحن قمنا بثورة فايسبوكية و متلفزة على الشاشات. والشعب التونسي هو شعب إذاعي-تلفزي.
إنّ المشهد الإعلامي هو الذي يشكلّ الوعي السياسي وهو الذي شكّل النتيجة الانتخابية.
الاستقطاب السياسي صنعه الاعلام وضخمه مقابل تهميش القوى الأخرى التي هي بطبعها ليست في أفضل حالاتها .
إنتخاباتنا تشبه كثيرا المشهد اللبناني أين توجد الطائفية فلكلّ حزب وسائل إعلامه .
في الانتخابات،النهضة كان لديها قناتا تي آن آن والمتوسط. والسبسي كانت لديه قناتا الحوار التونسي و نسمة. و التلفزة الوطنية في حالة سبات.
ولكن هذا لا يمنع من أنّ حالة الاستقطاب قد خفتت عقب تحالف حركتي النهضة و نداء تونس على قاعدة التوافق وهو ما ساهم في تخفيض منسوب التوتر؟
إنّ المشهد الحالي يعبّر عنه المثل التونسي: "الشفايف تبوس و القلب فيه السوس".
والاتفاق المزيّف بين النهضة والنداء ينطبق عليه قوله تعالى: "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى".
ما قاموا به هو اتفاق انتهازي ولكن المعركة ضارية. لاحظ مثلا قضيّة رضا الجوادي.
هم يريدون ترسيخ هذا الاتفاق و فرضه علينا.انظر كيف تنشط النهضة في المساجد التي تعتبرها منبرا سياسيا. و الآخرون يصارعون حول نفس المنبر. الخصومة الكبرى حاليا هي بين إمام أزرق و آخر بنفسجي. و الإمام الأحمر التونسي الذي يقوم بتعليم الناس البسطاء قواعد دينهم من خلال التفسير والتبسيط لممارسة العبادات و لكي يجدوا في الدين من الرحمة التي بعث من أجلها.أين هي الرحمة الآن؟
الرحمة حاليا لا توجد لا في المسجد و لا في الحكومة ولا حتّى في البرلمان.ولهذا يتعيّن ظهور قوّة جديدة خاصة وأنّ نداء تونس قد يكون يسير نحو الانقسام.
على كلّ حال،بعد الكذبة الانتخابية التي قام بها حزب النداء على من صوتوا له هم حاليا في حالة شعور بالندم مثل الذين صوتوا سابقا للترويكا بالضبط.
إن شاء الله يبرز بديل آخر. و أنا حاليا بصدد القيام ببعض الاتصالات مع شخصيات وليس مع أحزاب لانيّ ندمت على الدخول لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي لم أشارك معه لا في السلطة ولا في انتخابات وقد عارضتهم رغم أنّي كنت من المؤسسين.فأنا لست من جماعة انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
وأنا لمّا هاجمتهم كان ذلك بسبب خيبة الأمل التي شعرت بها تجاههم.كنت أتصور أنّ الشيء الذي ناهضنا فيه بن علي سنتجنبه. ولكن ماراعني إلاّ و أنا اشعر في بعض الأحيان وكأنهم نسخة من بن علي.
لهذا وعلى الرغم من العروض التي وصلتني للتنظم السياسي،فإنّني خيرت أن أدفع دون أن أتحزب نحو تكوين شيء قادر على خلق التوازن من جديد. لأنّ التوازن الذي صنعه نداء تونس بان بالكاشف أنّه هشّ.وهل تتصوّر أنّ الحزب الذي يقوده حافظ قائد السبسي سيؤمن به التونسيون ؟هذا أمر مضحك فعلا.
في ظلّ هذا التحالف الذي وصفته بالمزيّف بين النهضة و النداء، تونس إلى أين تسير حسب تقديرك؟
العديد من الناس يقولون إنّ تونس تسير نحو الهاوية. أنا لا أعتقد ذلك.
ما يجري حاليا هو سيرورة عادية بكلّ تواضع. الآن ما أراه أنّ الثورة لم تنجح. ولكن أيضا الثورة المضادة كذلك هي الأخرى لم تنجح.
ماذا تعني لك هذه المفارقة؟
هذا يعني أنّنا مازلنا في حالة مخاض و صراع. لاحظوا كيف أنّ الثورة المضادة لم تستطع فرض قوانينها و اكتفت بمجرد الصراخ. ونحن كالشوكة في حلقهم ونسهر على مراقبتهم للحيلولة دون الانقضاض على الدولة و تحريف التشريعات و استغلال صوت الشعب لكي يقوموا بما يريدون. نحن لدينا مجتمع مدني نشيط و صحفيون أحرار وألسنة شجاعة جدّا لن تتركهم يحقّقون ما يصبون إليه.
أظن أنّنا مازلنا في فترة وقتيّة.لا أعرف كيف سنخرج منها إمّا إلى الخلف لا قدّر الله أو إلى الأمام صوب التغيير. يبقى كلّ شيء واردا بما في ذلك انتخابات سابقة لأوانها طالما لا يوجد هناك استقرار.
لقد انتهى الأمر. وأدوات السيطرة للنظام ذهبت. فعامل الخوف الذي بنيت عليه الديكتاتورية زال. والتونسي الآن يتكلّم و يتحرّك و يملك الفضاء العام وهو الشارع حتّى إن كان هنالك تهديد و ضرب .
ثانيا أدوات القوة التي بنى بها بن علي ديكتاتوريته لم تعد على ملك يد واحدة.صحيح أنّ هنالك أمنا جمهوريا غير سيئ وهو كان موجودا منذ عهد بن علي و يحاول أن يقوم بعمله في مقاومة الجريمة وحماية حقوق الناس.ولكن العصا الغليظة تشظت في شكل فتات بين النقابات الأمنية و الأمن الموازي الموزع بين النهضة ونداء تونس. إذن لم تعد هنالك الأنياب و الأضراس الحادة التي تطحن حرية الشعب و إرادته.
و أنا شبه متأكدة بأنهم في كلّ يوم يمرّ يفهمون من خلاله أكثر أنّه لا سبيل للعودة إلى الديكاتورية.
حديثك عن النهضة يجرنا إلى طرح سؤال يردّده كثيرون. كيف يمكن تفسير التحوّل الطارئ على آليات إدارة الصراع و طبيعة الخطاب لدى هذه الحركة التي تشكّل أحد المكونات الرئيسية للمشهد السياسي/الحزبي في تونس؟
أنا أعرف الإسلاميين جيّدا منذ الثمانينات. هم دائما هكذا يعتمدون الخديعة و الخطاب المزدوج.
ما تقوم به النهضة هو ضرب من الانتهازية و الانقلاب بـ 180 درجة الذي قام به راشد الغنوشي بسبب ما أشاح به السفير الأمريكي في وجهه وأيضا نتيجة ما وقع في مصر للإخوان المسلمين،فضلا عمّا شاهده من تكشير عن الأنياب من قبل النساء التونسيات وأنا أتشرّف بأني كنت واحدة منهن رغم اني لا أشبه تلك المجموعات في أي شيء.
وأنا لا أحبّذ كلمة حرائر تونس التي أكفر بها.ولكن إزاء كلّ الآنف ذكره يبدو أنّ الغنوشي قد شعر بأنه يجب أن يقوم بتحوّل ما في مواقفه و خطابه.
ألا يمكن إعتبار موقفك هذا رجما بالغيب ؟
لا. ليس كذلك. هذه ملاحظة حول مجموعة أنا أسير معها منذ وقت طويل. في سنة 2003 قمنا بمعيتهم باتفاقية آكس بروفانس التي اعترفوا فيها بالدولة المدنية ومجلة الأحوال الشخصية. وهذه الوثيقة أضحت لاحقا وثيقة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في زمن بن علي.
وهذه الوثيقة كانت بمثابة الدستور الذي قمنا بوضعه حاليا.ولكن هم فور فوزهم في الانتخابات تراجعوا و أرادوا تطعيم الدولة بالجانب الديني وظنوا أنّ الثقة التي منحت لهم نهائية.
هذه هي الحقيقة . أنا لا أتجنى على أحد. ولست إستئصالية أو كارهة لهم ولكنهم تسببوا في وقت ما لي في كره حياتي و كره اليوم الذي اعتقدت فيه أنّه بالامكان التفاوض مع حزب ديني من أجل الوقوف على أرضية مشتركة من المبادئ.و حتّى الدستور الذي كتب كان بعسر.ومن الغرابة أن يشيد الغنوشي بجائزة نوبل التي تمثّل صفعة له لأنّ الرباعي الراعي للحوار انتصب لأنّ النهضة أخطأت و لم تحترم الآجال و أرادت الالتفاف على الدولة و المجتمع ولم تكن صارمة إزاء مسألة العنف و أطلقت العنان للسلفيين و اعتبرتهم رافدا لها.
إنّ النهضة هي التي قادتنا لاعتصام الرحيل. وبالمناسبة أنا أريد أن أؤكد على كرهي لعبارة" الروز بالفاكية" التي أرى أنّها تترجم عقلية سيئة لأناس يريدون القدح في كلّ شيء من خلال التشويه الذي هو نزعة ليست موجودة فقط في مليشيات بن علي بل أيضا لدى أطراف أخرى.
هل تقصدين بذلك الإسلاميين؟
نعم. ومن والاهم أيضا.أنا أقصد الترويكا ككلّ.
إنّ اعتصام الرحيل كان مشروعا خاصة بعد اغتيال الحاج محمد البراهمي رحمه الله.
وأنا لم أشارك فيه. ولولا مشاركة نداء تونس لشاركت فيه.يوم صعد السبسي إلى المنبر في شهر أوت 2013 وخرج ليخطب كأنّه شيخ الديمقراطيين قلت مثلما قال الآخر: "ها نندبهم".
وقتها كتبت مقالا على الفايسبوك طالبت فيه بإنزال السبسي من المنصة و انتقدت الذين سمحوا له بالقاء خطاب دون أيّ حقّ. لقد سمحوا له بأن يدوس على الشهداء و يحصل على شعبية تظهره في مظهر شيخ الديمقراطية أمام الناس وهو الذي كان وليد نظام دموي.
وقتها هاجمني ابنه حافظ الذي يبدو أنّ هنالك من كتب له مقالا نشره من أجل أن يشتمني.
لهذا فإنّ جائزة نوبل هي صفعة للغنوشي. هو لم يقدّر أنّ هنالك عقولا في النخب التونسية غير قادر على أن يسيطر عليها من أجل محو تأثيرها على المجتمع.
مواقفك من رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي من الواضح أنّها مازالت تتسم بالحدة و الراديكاليّة رغم إنتصاره الانتخابي والتزكية الشعبية التي نالها.لماذا اخترت المواصلة في نفس النهج؟
مع كلّ التقدير للشعب أقولها صراحة انّه مازال غير قادر على الاختيار.
إنّ التصحر السياسي الذي تركه بن علي لم يسمح للناس بتكوين رأي عام سياسي و مواقف تمكن من الاختيار.
نحن سنبقى مثلما حدث في الانتخابات الأولى التأسيسية فنتائجها لا تدل على أنّ الناخب التونسي بشكل عام واع و متشبع بالديمقراطية.
إنّ الانتخابات الأولى كانت مؤدلجة و الناس كانوا يرون في الاسلاميين ضحايا لنظام بن علي. والانتخابات الأخيرة أجريت تحت تأثير ضغط الخوف من النهضة والوعود بعودة بورقيبة و صورته.
طبعا أنا مازلت أحمل نفس الموقف و يمكن القول بأنّ موقفي قد زاد سوءا إزاء السبسي.
و بالمناسبة أريد أن أشير إلى أنّي في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية لم أنتخب فقد اكتفيت بالدور الأوّل و بالتشريعية.
لقد شعرت بأنّ صوتي عزيز جدّا ولا يمكن أن أزج به في ذلك الاستقطاب الثنائي المغلق.
يعني رفضت التصويت حتّى لرفيق الأمس المنصف المرزوقي؟
الانتخابات ليست عملية عقد قران . نعم نحن في البداية كنّا متوافقين ولكن لاحقا لاحظت أنّه لم يلعب دورا جيّدا وفرّط في فرصة تاريخية.
صحيح أنّه لم يكن مطلوبا منه أن يغيّر الدنيا.وأنا قلت له منذ البداية لا تقبل بتلك الصلاحيات حتّى لا يهين نفسه وحزبه و مؤسسة الرئاسة.
قال انه على الرغم من عدم توفر الصلاحيات الكافية لتغيير يمكن أن يؤثر أدبيا وبصفة مباشرة أو غير مباشرة كي لا يترك النهضة "تستكرش". وهو قام ببعض الانتفاضات عندما اقترح تجريم التكفير ولكن سرعان ما ذهبوا إليه و دفعوه نحو الصمت.
هو في الفترة الأولى حاول أن يكون ديمقراطيا و تقدميّا كما أعرفه.و أتذكر في إحدى المرّات احتجّ على مسألة التعيينات التي قامت بها حركة النهضة.
هو لم يكن يخشى النهضة بقدر ما كان يخاف على فرصة الانتخابات اللاحقة التي كان يظن أنّ الشيخ سيعطيه فيها أصوات النهضة برمتها.هو دفع ضريبة الطمع.
من الجهة المقابلة،لا أستطيع أن أنتخب الباجي" الصبايحي". هو بالنسبة لي هكذا.
المعارضة الحالية هل ترين أنّها قادرة على تعديل موازين القوى بما يعني إمكانية أن يرشح عنها بديل سياسي بامكانه منافسة الأطراف الحاكمة راهنا ؟
إن شاء الله وأنا أعمل على ذلك من خلال بعض المحاولات وبعضها قمت بها حتّى قبل الانتخابات الفارطة.
ولكن ما نيل المطالب بالتمني فالواقع يكشف تأزما صلب المعارضة و شتاتا قد لا يخدم العملية الديمقراطية؟
أنا لا أتمنى بل أتحرّك وقمت باتصالات لتقريت وجهات النظر.و إن شاء الله يتحقّق ما أرنو إليه.
ماهي الجهات التي قمت بالاتصال بها في هذا الشأن؟
لا.. لا اجيب.
هل هذا سرّ؟
نعم. يجب أن يبقى هكذا."واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"."ربي يقضي الحاجة".
وأنا أقوم بهذا من منطلق الوطنية و الخوف على مستقبل البلاد و أبنائي و أحفادي و أبناء التونسيين جميعا.
أنا لا أؤمن بحزب بعينه بل أؤمن بأشخاص يمكن أن يكوّنوا تيّارا.
إنّ القوّة المعدّلة و البديلة التي أؤمن بها يمكن أن تنبثق بصفة صاعقة بالمعنى الايجابي و أفضل من نداء تونس و الأشخاص الانتهازيين الذين ينتمون إليه لكي يتمّ جذب ملايين التونسيين الذين لم يذهبوا للتصويت.
ختاما لا يمكن إنهاء هذا الحوار دون التطارح في مسألة الإصلاح التربوي و أنت التي كنت أستاذة متميّزة خلال سنين طوال ربّما حتّى قبل ولوجك الأوساط الإعلامية و الحقوقية و السياسية.كيف تنظرين إلى هذا الملف الشائك و الهام على حدّ السواء؟
هناك أمر مضحك. أنا سنة 2003 كتبت استقالة من التعليم في 7 صفحات. هي بمثابة جرد كامل للواقع التربوي .كنت أعوّل على هذه الرسالة التي كانت منشورة في الموقع الرسمي لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية لكنهم قاموا بحذفها. هذا لكي تعرفوا إلى أيّ نوع من الناس هم ينتمون.هي رسالة ذات قيمة وطنية وتاريخية.أرجو أن تعثروا عليها في الانترنات لأنها نشرت وقتها في موقع تونس نيوز.
إنّ ما يقوم به ناجي جلّول هو عناوين مثيرة ساعدته على الصعود في استطلاعات الرأي.وهو بالمناسبة صديقي و لا أشك في عزمه على الإصلاح. ولكن لا أرى أن الاصلاح التربوي يتم بالعناوين المفرقعة التي تراجع في بعضها مثل مسألة فرض الميدعات على الذكور.
هو حاليا بصدد تناول أمور شكلية والاستشارة التي قام بها في الحقيقة لم تعجني مع احترامي للمعهد العربي لحقوق الانسان واتحاد الشغل. ليسوا هم من يستفتون في إصلاح التعليم.كان من المفترض أن ينطلق من مؤتمر وطني يتم فيه تناول تجارب مقارنة في بلدان عاشت ثورات وتتمخض عنه ورقات يشرع في تنفيذها
للأسف نحن مازلنا في مقام الترقيع.وللأسف اليوم عدنا لعدم حياد المدرسة.أحيانا هناك من يقوم بإحاطة أيديولوجية إسلاموية. وفي بعض الأحيان هناك من يأتي بلافتة حزبية ويضعها داخل المدرسة.
من خلال تجربتك كمدرّسة ومربيّة ماهي الأساسيات الضرورية التي يجب أن تكون موجودة في مشروع الإصلاح التربوي المرتقب وعلى أيّ فلسفة يجب أن يكون مرتكزا؟
هناك أساسيات موضوعية ماديّة.مثلا ردّ الإعتبار للمدرّس الذي تمّ "تشليكه" كثيرا.وكذلك حياد الإدارة بحيث لم يعد من الممكن تسمية المقربين في الحزب والأصدقاء.أيضا إصلاح البنية التحتية.ثمّ مراجعة المناهج من خلال عدم الاكتفاء باسداء المعرفة و حشو الأدمغة.
لابدّ أن نعلّم الأدمغة كيف تفكّر وكيف تتصرّف. أنا قمت بإصلاح الكثير من امتحانات البكالوريا. الأعداد السيئة في مجملها لاحظت أنّ التلميذ عموما يكون قد قام بالاعداد و المراجعة و حفظ الشواهد ولكن لا يستطيع أن يكوّن عناصر. فهو تعوزه المنهجية لأنّنا نحن لا نعلّم في مدارسنا التفكير.
ثانيا لا بدّ من إصلاح المناهج بكيفية تصنع إنسانا يحسن التفكير وإستغلال المعارف لكي يتمّ استعراضها كمحفوظات. كما يجب أن نخلق من التلميذ مواطنا فالمدرسة يجب أن تعلّم الذكاء و الحريّة أيضا.هذا ينقصنا في المجتمع وفي مناهجنا التعليمية.
ولكن في نهاية المطاف أقول انّه يجب أن نفكر مع بعضنا البعض في مدرسة الجمهورية التي تصنع مواطنين ولا تدفع إلى سوق الشغل بأرقام.