رأى النور، مؤخّرا، كتاب "من وراء حجاب.. 180 يوما في الصّين" للكاتبة الصحفية أمل المكّي، ليسلط الضوء على العاصمة الصينية بيكين بأعين لا يستطيع ان يحملها من لم يكن يوما تونسيا يرتدي حجابا.
"من وراء حجاب.. 180 يوما في الصين" كتاب من منشورات "شمس الجنوب" بصفاقس، يتكوّن، في طبعته الأولى، من 73 صفحة مقسّمة إلى 17 فصلا تجمع بين متطلّبات الأسلوب الصحفي والأدبي المتخصّص في أدب الرحلة، مثلما عرفته صاحبته، بل كما يثبت للقارئ عند مطالعته.
تروي أمل المكي في 17 فصلا، هي في الحقيقة مجموعة مقالات كانت قد نُشرت منفصلة في جريدة "شمس الجنوب"، قبل ان تطل من وراء حجاب 180 يوما في الصين، يوميات عايشتها طيلة 6 أشهر قضتها في "بلاد التنين" في إطار إيفادها ضمن مجموعة من المتفوقين لإجراء تربص بجامعة بيكين.
وجمعت المكي في حكاياتها بين الطرافة والجدية في مزيج يجعل القارئ لا يرغب في مفارقة الكتاب حتى يلتهمه إلى آخر كلمة وحرف، ولعل ذلك شعور انتابني كقارئة، ولكن أيضا كتونسية سبق وأن عانقت كوكب الصين، فأيقنت أن بيكين التي أقرأ عنها "من وراء حجاب" ليست هي نفسها تلك التي رأيتها دون أن أضع حجاب المكي الذي لم يفارقها منذ التاسع من أكتوبر 2010 وإلى غاية أوئل فيفري 2011.
الملهم في هذا الكتاب ليست بيكين وحدها، بل هو ذلك الجمع السلس بين بلاد السور العظيم وتونس التي لم تغب عن أي فصل من فصوله الـ17، فهي من افتتحت الكتاب من خلال مطار تونس قرطاج، واثثته بالحنين إلى الأهل والأحباب والعادات والتقاليد والعيد والاكل، ثم اختتمته بالثورة و"الآه" على شهداء حامة قابس، مسقط رأس الكاتبة الذي لم يغب لها عن ذكر في بلد تخال وأنك في كوكب ثان عندما تزوره.
الحجاب الذي أبصرتنا من خلفه امل المكي بيكين ليس ذلك الخمار الذي تضعه على رأسها بالتأكيد، بل هو أقرب لان يكون نظارات كتلك التي تحصل عليها في عرض سينمائي رباعي الابعاد، لكن لترى الصين بأعين فتاة تونسية مهووسة بالسفر بشغف لا يغيب عنه الوطن.
تونس في هذا الكتاب لم تكن حدودا جغرافية بعينها بل كانت وطن في أكثر من بلد.. كانت في السودان والعراق وفلسطين وأفغانستان والسعودية.. في كل أكلة وكل عيد وكل صلاة.. في كل فرصة تقتنصها الكاتبة الفتاة لتكون في تونس رغم أنها في الصين.
كل الانضباط والصبر وحب العمل والعلم الذي تعلمته صاحبة "من وراء حجاب.. 180 يوما في الصين" لم يكن حائلا بينها وبين بكاء شهداء بلدها الذي يفصلها عنه محيط وقارتان، أو حاجزا، حتى تعلن غضبها ككل مواطن تونسي عايش الاستبداد وخلق الثورة في هذا البلد.. فكانت جسدا في "تونغوا"، كما يحلو لشعب الصين تسميتها، وروحا، تنبض بالحياة تارة وتخنع للموت أخرى، على أرض "تونس بنت المسيح التي تكلمت في المهد لتعلن أنها نبي الله الموعود ورسول الثورة لبني الانسان"، مثلما وصفتها في فصل كتابها ما قبل الأخير (الصفحة 72).