في الوقت الذي تحاول فيه ليبيا، مرة أخرى، تحقيق الاستقرار في المشهد السياسي والأمني، تعمل التطورات الأخيرة في هذا البلد المجاور على إعادة رسم التوازنات الإقليمية. وبالنسبة لتونس، التي تشترك في حدود تمتد لأكثر من 450 كيلومترًا مع ليبيا وتعتمد بشكل كبير على استقرارها، تتجلى التداعيات في أربعة مجالات متشابكة: الأمن، والهجرة، والاقتصاد والطاقة، والدبلوماسية الإقليمية.
منذ إطلاق خارطة الطريق الانتخابية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (MANUL)، سجل البلد تقدمًا محدودًا ولكنه حقيقي. وقد عقدت اللجنة المشتركة المعروفة باسم «4+4»، المكلفة بإعادة تشكيل اللجنة الانتخابية الوطنية العليا ومراجعة الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، عدة جولات من المفاوضات، لا سيما في روما في أفريل ثم في تونس في أوت 2026. وفي 20 أوت، وقّع ممثلو السلطات في الشرق والغرب في تونس، تحت رعاية الأمم المتحدة، على مسودة اتفاق تركز على اللجنة الانتخابية، وُصفت بأنها خطوة نحو الانتخابات التي لا تزال البلاد تنتظرها. ومع ذلك، حذرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (MANUL)، هانا تيتيه، مجلس الأمن من أن العملية تدخل «مرحلة حرجة»، مشددة على أن النص لا يزال بحاجة إلى الصياغة النهائية والتنفيذ قبل أي إعلان رسمي.
إلا أن هذا التقدم الفني يخفي جموداً هيكلياً أعمق. فليبيا لا تزال منقسمة منذ عام 2011 بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، والسلطات في الشرق – المدعومة من الجيش الوطني الليبي(ANL) بقيادة المشير خليفة حفتر–، المتمركزة حول بنغازي. ويتجسد هذا التنافس في مجلسين متنافسين، هما المجلس الأعلى للدولة في طرابلس ومجلس النواب في بنغازي، حيث تحول الخلافات المستمرة بينهما دون تشكيل حكومة موحدة قادرة على تنظيم الانتخابات المقررة لعام 2027. وتخشى الأمم المتحدة الآن من أن يمتد الانقسام المؤسسي ليشمل النظام القضائي أيضًا، وهو أحد آخر ركائز الدولة التي حافظت على قدر من التماسك.
بالنسبة لتونس، يشكل هذا المأزق السياسي المطول عامل خطر هيكلي. وطالما لم تكن هناك سلطة تنفيذية موحدة قادرة بشكل شرعي على إشراك البلاد في عملية انتخابية مستقرة، فإن التوترات الداخلية الليبية تظل عرضة للتأثير على الحدود التونسية-الليبية الهشة أصلاً، مما يؤخر أكثر فأكثر عودة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين البلدين إلى طبيعتها.
تصعيد أمني مثير للقلق
اتسم صيف عام 2026 بسلسلة من الأحداث التي تعكس تدهورًا أمنيًا ملحوظًا، لا سيما في شرق ليبيا وغربها.
في 11 أوت، قُتل فوزي المنصوري، رئيس المخابرات العسكرية في «الجيش الوطني الليبي» والمقرب من عائلة حفتر، في بنغازي في تفجير سيارة مفخخة بينما كان يغادر أحد المساجد. ويُعد هذا الهجوم أحد أوائل الهجمات التي تستهدف مسؤولاً رفيع المستوى في المنطقة الشرقية منذ حوالي عشر سنوات، وهو ما شكّل ضربة قاسية لعشيرة حفتر في سعيها لتعزيز سيطرتها على كامل الأراضي الليبية. وتشير السلطات في الشرق إلى احتمال أن يكون الهجوم «جهاديًا»، في الوقت الذي أعلنت فيه، في بيان منفصل، عن اعتقال خلية إرهابية كانت تستعد لشن أعمال تخريبية في بنغازي، دون أن تربط رسميًا بين هذه العملية واغتيال منصوري.
وفي الوقت نفسه، استهدفت سلسلة من الهجمات التي شنتها طائرات مسيرة بدون سائق، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، منذ بداية أوت، منشآت حيوية في الزاوية، غرب ليبيا: مصنع لتحلية المياه، ومحطة كهرباء فرعية، ثم مصفاة الزاوية مباشرةً، وهي ثاني أكبر مصفاة في البلاد بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يوميًا. واستهدفت طائرة مسيرة انتحارية خزانًا يحتوي على 4.5 مليون لتر من البنزين، مما تسبب في حريق وصفته السلطات المحلية بأنه كان من المحتمل أن يكون «كارثيًا على المنطقة الغربية بأسرها» لو امتد إلى المستودع بأكمله. واستهدفت غارات أخرى خزانات النفط والديزل، في الهجوم الخامس من نوعه الذي يتم تسجيله منذ بداية الشهر. ولم يحدد البرلمان ولا حكومة دبيبة الجهة المسؤولة عن الهجوم، مما يزيد من الغموض حول الدوافع والجهات الفاعلة المتورطة. وتأتي هذه الأحداث في سياق أوسع من إعادة تنظيم الميليشيات في طرابلس، لا سيما حول جماعات مثل «الردع» و«اللواء 444»، التي تعيد رسم ميزان القوى في العاصمة الليبية.
وبالنسبة لتونس، فإن لهذا التصعيد تداعيات مباشرة. فخطر تهريب الأسلحة وتحركات الجماعات المسلحة باتجاه الحدود يتزايد تلقائيًا مع اشتداد التوترات الداخلية الليبية، في سياق تصنف فيه وزارة الخارجية الفرنسية كامل الأراضي الليبية على أنها «منطقة حمراء» وتحذر من استمرار وجود عصابات مسلحة في المناطق الحدودية. كما أن التهديد الذي يحدق بالبنى التحتية الحيوية للطاقة، مثل مصفاة الزاوية، ينطوي على خطر تعطيل تدفقات الوقود الإقليمية، في الوقت الذي تعاني فيه تونس نفسها من توترات متكررة في إمداداتها. وأخيرًا، يفرض عدم الاستقرار هذا ضغطًا إضافيًّا على قوات الأمن التونسية، المكلفة بمراقبة حدود طويلة يصعب الوصول إليها.
في مواجهة هذه المخاطر، شرعت السلطات الليبية، بدعم من البعثة الأوروبيةEUBAM Libya، في المرحلة الأولى من مشروع لتأمين حدودها الغربية، الذي أُطلق في 6 أوت 2026.
وينص هذا النظام على نشر كاميرات حرارية ووسائل مراقبة بصرية على مسافة تبلغ حوالي 200 كيلومتر، لا سيما في المنطقة القريبة من الحدود التونسية، بهدف الكشف بشكل أفضل عن التهريب والهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود. من ناحية أخرى، تواصل القوة العملياتية المشتركة الليبية-الجزائرية-التونسية، التي أُنشئت في جانفي 2025، تنسيق جهودها: فقد ركز اجتماع عُقد في طرابلس في جوان 2026 على تعزيز التعاون الأمني الثلاثي لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والهجرة غير الشرعية. وتشهد هذه المبادرات على وجود وعي إقليمي، لكن فعاليتها تظل مرهونة بالاستقرار السياسي الداخلي في ليبيا، وهو ما لا يزال أمراً افتراضياً.
ضغوط هجرة مستمرة
لا تزال ليبيا تستقبل عددًا كبيرًا من المهاجرين واللاجئين. ووفقًا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، بلغ عددهم حوالي 936,000 شخص في مطلع عام 2026، وهو رقم يشهد انخفاضًا طفيفًا مقارنة بالفترات السابقة، لكنه لا يزال قريبًا من العتبة الرمزية للمليون التي تشير إليها التحليلات الإقليمية. هؤلاء المهاجرون، الذين ينتمون إلى 44 جنسية، لكن يغلب عليهم رعايا السودان ومصر والنيجر وتشاد الذين يمثلون معاً 84% من الإجمالي، يستخدمون الأراضي الليبية كمكان إقامة مؤقتة ونقطة عبور إلى أوروبا في آن واحد. ويندد تقرير للأمم المتحدة نُشر في فيفري 2026 باستمرار الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان ضد هذه الفئات السكانية، والتي تُعزى إلى المهربين والجماعات المسلحة وبعض الجهات الحكومية المتورطة في إدارة شؤون الهجرة.
ولا تزال رحلات العبور إلى أوروبا مميتة بشكل خاص: وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تم الإبلاغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 484 مهاجراً على طريق وسط البحر الأبيض المتوسط منذ بداية عام 2026، وهو رقم يضاف إلى أكثر من 1,300 حالة فقدان مسجلة على نفس الطريق في عام 2025. وتستمر شبكات المهربين في التكيف بسرعة مع التقلبات الأمنية الداخلية، مما يجعل من الصعب على بلدان العبور والوجهة التنبؤ بتدفقات المهاجرين.
بالنسبة لتونس، ينطوي هذا الضغط المهاجري المستمر في ليبيا على ثلاثة مخاطر رئيسية. فقد يؤدي أي اضطراب مفاجئ في مراكز الاحتجاز الليبية، في سياق التوترات المسلحة المتصاعدة حول طرابلس والزاوية، إلى تدفق سريع وغير متوقع للمهاجرين نحو الأراضي التونسية. ويصاحب هذا الوضع ضغط دبلوماسي مستمر من الاتحاد الأوروبي، يدفع تونس إلى تعزيز آلياتها الخاصة لمراقبة الحدود، كما يتضح من الشراكة القائمة مع آليات التعاون الأمني الإقليمي.
وأخيرًا، فإن العبء الإنساني المحتمل سيقع في المقام الأول على عاتق محافظات جنوب تونس، التي تعاني بالفعل من الهشاشة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، مما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات المحلية حول الوصول إلى الموارد والخدمات العامة.
الاقتصاد والطاقة: إعادة تشكيل إقليمي
تمر ليبيا بأزمة اقتصادية هيكلية تتسم بعجز ميزانيّ هائل، وديون عامة مرتفعة، وتضخم مستمر، في سياق يتسم بتقلب إنتاج النفط وعدم كفاية طاقات التكرير مقارنة بحجم الإنتاج. وفي هذا الإطار، ظهر مشروع بنية تحتية كبير خلال صيف عام 2026: إنشاء خط أنابيب نفط بطول 800 كيلومتر يربط بين طبرق، في شرق ليبيا، والإسكندرية في مصر، بهدف نقل النفط الخام الليبي مباشرةً إلى مصافي التكرير المصرية. ويقدر هذا المشروع بأكثر من مليار دولار، ويخضع حالياً للدراسة المشتركة بين القاهرة وطرابلس، اللتين تستكشفان طرق التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، وأحجام السعة التي يجب مواءمتها مع قدرات التصدير الليبية وقدرات التكرير المصرية. وليست هذه المبادرة جديدة تماماً: فقد تم بالفعل التفكير في مشروع مماثل، وإن كان أصغر نطاقاً، في عام 1997 ثم تم التخلي عنه حوالي عام 2006، وهو ما يوضح الصعوبة التاريخية في تنفيذ هذا النوع من البنية التحتية العابرة للحدود في سياق سياسي غير مستقر.
يقع هذا المشروع عند تقاطع منطقين استراتيجيين متميزين: فهو سيسمح لليبيا بتحقيق قيمة أكبر لإنتاجها النفطي المتزايد على الرغم من محدودية قدرات التكرير المحلية، بينما يوفر لمصر مصدر إمداد إقليمي إضافي، أقل عرضة للتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على الطرق البحرية التقليدية. كما تقدر ليبيا الاستثمارات اللازمة لتحديث بنيتها التحتية النفطية بما يتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، في حين تخصص مصر أكثر من 4 مليارات دولار لمشاريع التكرير الخاصة بها.
أما بالنسبة لتونس، فإن هذا التوجه المحتمل لتدفقات النفط الليبي نحو مصر ينطوي على خطر التهميش الاقتصادي النسبي. وقد تتآكل الأهمية الإقليمية للمحطات والبنى التحتية في غرب ليبيا — التي تقع جغرافيًا بالقرب من الحدود التونسية وترتبط تاريخيًا بالدوائر التجارية العابرة للحدود — إذا ما تحول المحور الاستراتيجي الليبي بشكل أكبر نحو الشرق ونحو مصر. كما تظل الشركات التونسية الناشطة في ليبيا، لا سيما في قطاعات البناء والخدمات والتجارة العابرة للحدود، معرضة للاضطرابات التجارية المرتبطة باستمرار عدم الاستقرار الأمني والهجمات المتكررة التي تستهدف البنى التحتية للطاقة مثل تلك الموجودة في الزاوية. وأخيرًا، فإن التضخم الليبي، الذي يغذيه العجز المالي والضغوط على قدرات التكرير المحلية، ينطوي على خطر انتقاله جزئيًا إلى الأسعار التونسية، لا سيما عبر قنوات التزويد غير الرسمية بالوقود التي تعبر عادةً الحدود المشتركة.
مشهد متزايد التعقيد من التأثيرات الأجنبية
لا تزال ليبيا ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تتشكل خطوط التحالفات من جديد تدريجيًا. وقد عززت تركيا علاقاتها في آن واحد مع المعسكرين المتنافسين، وهو موقف نادر نسبياً يمنحها دور الوسيط المحتمل في المفاوضات، في حين تعمل مصر على ترسيخ نفوذها بشكل منهجي في شرق ليبيا، كما يتضح بشكل خاص من تقاربها الاقتصادي مع سلطات بنغازي حول مشروع خط أنابيب النفط بين طبرق والإسكندرية. من جانبها، تواصل دول الخليج وفرنسا الضغط من أجل تحقيق الاستقرار الانتخابي، مستندةً إلى الإطار الأممي الذي تدعمه بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتخابية في ليبيا (MANUL) وإلى جولات المفاوضات التي نُظمت على التوالي في روما وتونس.
وبالنسبة لتونس، ينطوي هذا التعقيد في الساحة الإقليمية على خطر دبلوماسي محدد. وقد استضافت تونس، بالمناسبة، جزءًا من مفاوضات لجنة «4+4» مباشرةً في أوت 2026، وهو ما يدل على دورها كمنصة إقليمية، لكنه يعرضها أيضًا بشكل أكبر للتأثيرات بين الأطراف المؤثرة. وإذا لم تتمكن السلطات التونسية من الحفاظ على توازن دبلوماسي متسق بين هذه القوى المختلفة، فإنها تخاطر بالتهميش التدريجي في المناقشات الحاسمة حول مستقبل ليبيا. كما أن هذه التعقيدات تجعل التعاون الأمني الثنائي والثلاثي أكثر حساسية، لا سيما طالما ظلت السلطات الليبية نفسها منقسمة بين طرابلس وبنغازي، مما يعقد عملية تحديد شركاء حوار مستقرين وشرعيين من الجانب الليبي.
مخاطر عالية لكن مع وجود هامش حقيقي للمناورة
بالنسبة لتونس، تشكل الأوضاع الليبية مخاطرة جيوسياسية عالية لكنالتغلب عليها ليس مستحيلا، وتتمحور حول أربعة تحديات متقاربة.
وللحد من تعرضها لهذا الخطر، سيتعين على تونس مواصلة تعزيز عدة أدوات تم تفعيلها جزئيًا بالفعل. ويشكل تطوير قدراتها في مجال مراقبة الحدود، بما يتوافق مع الآليات المنتشرة على الجانب الليبي بدعم من بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في إدارة الحدود في ليبيا (EUBAM Libya)، أولوية عملياتية فورية. ويجب أن يتيح تعميق الشراكات مع الوكالات الدولية، لا سيما في إطار القوة العملياتية المشتركة الليبية-الجزائرية-التونسية، تجميع الموارد لمكافحة الجريمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية. على الصعيد الدبلوماسي، من مصلحة تونس تعزيز دورها كمنصة للتفاوض، كما أظهر ذلك استضافتها لجولة مباحثات لجنة «4+4» في أوت 2026، مع الحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف المؤثرة في الملف الليبي. وأخيرًا، يظل وضع خطط طوارئ محددة لمواجهة أي صدمة محتملة في مجال الهجرة أو الطاقة أمرًا ضروريًا، حيث تُظهر التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة أن الوضع الليبي يمكن أن يتقلب بسرعة، سواء على الصعيد الأمني في بنغازي والزاوية أو على الصعيد الأكثر هيكلية المتمثل في إعادة تشكيل تدفقات الطاقة الإقليمية.وبالتالي، يظل استقرار ليبيا عاملاً حاسماً لمستقبل تونس الإقليمي، وستكون الأشهر المقبلة ــــــ التي ستشهد الاستمرار في مسار العملية الانتخابية وإمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن اللجنة الانتخابية العليا ـــــحاسمة في تحديد مستقبل هذه المنطقة المجاورة الاستراتيجية.
د.هشام القروي