بقلم : رشيد الكرّاي
كنت أعجب دائما من قدرة "الإخوان" على الكذب وافتعال الأحداث المفبركة واستبطان النتائج الواهية والترويج لها على أنها حقائق دامغة مع أنه لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم ينطق بها لسان غيرهم .
لكنّ الحقيقة وأنا أتابع ككل التونسيين تطورات المشهد العام في بلادنا بكل نتوءاته وتضاريسه وتعقيداته ، اكتشفت أن الكذب الذي كنت أخاله صناعة إخوانية صرفة وأصلا تجاريا للإخوان لا ينازعهم فيه أحد في دنيا السياسة وإدارة الشأن العام ، ليس ملكية خالصة لهم فقط ، بل بات ينازعهم فيه ويا أسفي بعض رموز اليسار والديمقراطيين ممّن أوجعوا رؤوسنا طيلة هذه العشرية السوداء بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب والإسلام السياسي ، وممّن تقطعت بهم السبل للولوج لوعي ولاعي الجماهير الغاضبة التي خرجت ذات 25 جويلية منادية بالقطع مع مهازل منظومة تلك العشرية ومؤسساتها ورموزها بل وحتى دستورها .
منذ ذلك التاريخ المحطّة ، وهم كما عدوّهم النهضة بالأمس حليفهم اليوم ، لا يكفّون عن ممارسة الكذب ، فهم يكذبون ، ثم يكذبون ، ثم يكذبون ، ثم تردد وسائل إعلامهم هذا الكذب على أنه صدق وحق ، وتعدّد مزايا بعض زعمائهم ، حتى صار أحدهم هو نفسه يصدّق هذه الأكاذيب ، ويعتدّها حقائق .
ظاهرة تذكرنا بقصة أشعب الطماع ، فقد مرّ على صبية يلعبون في الطريق ، فتعلقوا به إيذاء وسبا وأراد دفعهم عنه ، فقال لهم: إن آل أبي فلان عندهم وليمة ، فاذهبوا وكلوا ، فانطلق الصبية يتجارون ويتسابقون ، وتركوا أشعب في المكان ، فالتفت ، فلم يجد حوله أحدا ، ففكر وقال في نفسه : لعل ما قلته لهم واقع ، فانطلق وراءهم مصدّقا كذبته، رغبة في أن يصيب نصيبه من الوليمة المفتراة .
قصة أشعب هذه تمثل الواقع الذي نعيشه اليوم ، ويدرك ذلك من يتأمل في واقعنا الإعلامي ، وما يزيّفه لذوي النفوذ والسلطة ، وما يختلقه من أحداث واستنتاجات وما يفتعله من ضجّة وما يهوّل به بعض الأمور العادية أو التافهة ، حتى يجعل من غير المشكل مشكلا ، رغبة في صرف أنظار الناس عن القضايا الكبرى إلى قضايا صغيرة تافهة ، تدغدغ العواطف ، وتلبي الحاجات العاجلة ، أو تصرف الناس عن التفكير في الأمور الكبيرة .
هكذا يفعل "الإخوان" بالأمس واليوم كما فعل طغاة الأزمنة الغابرة والمعاصرة ، حتى جاءهم الدعم والمدد من تلك القوى المشار إليها لتفتعل وسائل إعلامهم وجيوشهم الالكترونية المشاكل ، وتختلق الأخبار، وتضخم القمء الصغير، وتشغل الناس بتوافه الأمور ، ويخدعون السذج من العامة والبسطاء والدهماء ، ليصرفوا أنظارهم عن حقيقة وماهية مشاكلهم واهتماماتهم .
والناظر المتمحّص في سياسات وسائل الإعلام ، وتونس تعيش ما تعيش من أزمات وكوارث ، يرى عجبا في ترويج الأكاذيب والافتراءات بعضها بأمر أصحاب النفوذ بأن تُكال لهم المدائح الباطلة ، ويقلدوهم المفاخر التي ليست لهم ، وأن تقلب سيئاتهم حسنات ، وتجعل خيانتهم وطنية ، وسرقتهم أمانة ، وخنوعهم عزا ، وهزيمتهم نصرا ، وإهانة شعوبهم سياسة ، وهكذا يأمرون الإعلام بترديد المفاهيم المقلوبة . والببغاوات والقرود من أصحاب الأقلام والأفواه المأجورة ، لا يزدادون إلا علوا وفسادا، وكبرا ومقتا ، ثم يصدق هؤلاء الطغاة ما يقال عنهم من أنهم الساسة القادة ، والوطنيون المخلصون ، والأمناء المبشّرون بالجنّة ، مع أنه ليس لهم في ذلك من نصيب ، إلا ادّعاء باللسان ، تنقضه الأعمال ، وتهتكه الحقائق الفاضحة .
هم قد جمعوا كل خصال النفاق ، بل زادوا عليها ، من كذب وخلف، وغدر وفجور ، وزور وخيانة . فهم إن وعدوا لم يفوا ، وإن حدّثوا لم يصدقوا ، وإن عاهدوا أخلفوا وغدروا ، وصار ديدنهم تحرّي الكذب ، والتفكير فيه ، والبحث عنه ليُحكى عنه الفضاءات العامة ووسائل الإعلام …