حاملون للجرثومة.. ومازلنا ننكر ونكابر! بقلم هادي يحمد

0 comments 14 عدد المشاهدات

ليس هناك اكثر ايلاما من شعور الموتى وهم ينزفون ويشهقون النفس الأخير من حياتهم دون أن يعلموا السبب الذي يقتلون من أجله. من الصعب العثور على مفردة لتوصيف الموت الاعتباطي العدمي الذي لا معنى له. ربما نحتاج الى معايشة اللحظات الاخيرة التي عاشها راعي الغنم التونسي مبروك السلطاني (16 سنة) الذي ذبحه ارهابيون وقطعوا رأسه على سفح جبل مغيبة بولاية القصرين.

قد نحتاج ايضا إلى رجوع قتلى "مجزرة باريس" الى الحياة مرة اخرى لنسمع شهادتهم حول اللحظات الاخيرة وهم يموتون جراء طلق الرصاص العشوائي والتفجيرات الانتحارية ليلة الجمعة 13 نوفمبر. قد نحتاج ايضا الى شهادات العشرات من قتلى التفجيرات الانتحارية في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي حدثت يوما واحدا قبل مجزرة جمعة باريس الأسود. قد نحتاج الى شهادات اخرى لقتلى اخرين في تفجيرات في بغداد و سوسة ودمشق وصنعاء. كل القتلى او الشهداء بالمعنى المدني للكلمة لا يعلمون لماذا قتلوا. القتلة وحدهم يعلمون الأسباب التي تحرّضهم على فعل القتل. نزلوا من الجبال والى شوارع المدن معبئين بعقيدة القتل والتضحية من اجل ارضاء ربهم الذي في السماء. انهم قوم يعشقون الله ويكرهون عباده. العقيدة التي يحملها القتلة تستحق مقالات اخرى ليس هنا مجالها.

 القتل الأعمى الذي يمارسه الارهابيون تفجيرا وانتحارا ورصاصا يشمل الكل دون تفرقة. انه يشمل "الكفار الأصليين" (الفرنسيين وسياح سوسة مثلا ) بحسب مصطلحات السلفية الجهادية أو "المرتدين" والتي تشمل المشركين باعتبارهم مصطلحا مركزيا في نصوص التكفير (راعي غنم مغيلة وشيعة العراق وبيروت).

المحصلة أن القتل يشملنا جميعا، دون استثناء. كل من لا يتفق مع عقيدتهم (هم) مرتد او كافر من الواجب الشرعي قتله تقربا الى الله. لا احد في منأى عن الواجب الشرعي. 

يعتمد الارهابيون (من داعش الى القاعدة واخواتها) على تقسيم حدي بين النحن (المسلمون الأنقياء) والهم (الكفرة والمرتدين). طبعا تنقسم (النحن) الى ثلاثة وسبعين نحن (فرقة بنص الحديث) الناجية منها من تتبع كتاب الله وسنة رسوله. في الهم المحصورة المضيقة يلتقي مبروك السلطاني بفرنسوا في باريس ومرتضى في بيروت. تختلف جنسيات الضحايا ودياناتهم وبلدانهم اما القاتل فواحد. 

بين القاتل والمقتول هناك أطراف اخرى شاهدة على عملية القتل، هي كل هذا الجمهور الذي يتابع عملية القتل ويحاول فهمها وتفسيرها. سيبحث الضمير العربي الاسلامي المؤمن المطمئن عن تفسيرات تبريرية ترضي الى حد ما ذاته وتلبي رغبة عدم مشاهدة حقيقة بعض ما يختزن ميراثه الجمعي. حملة هذا الضمير سيبحثون في التاريخ والجغرافيا والحاضر والمستقبل عن العلل التي تفسر بربرية بني دينهم وجلدتهم. مجرد طرح فرضية انتماء القتلة الى الميراث الجمعي الذي ننتمي اليه سيؤدي الى عملية رد فعل مبنية على نكران لهذا الالتقاء. سيبحث الضمير العربي المسلم المطمئن عن تبرير نفسي يريحه ويبعد عنه تهمة الالتقاء مع القتلة على نفس الارضيّة الدينية الثقافية.

النتيجة هي البحث عن شماعة خارجية والمكابرة الذاتية التي تتهم الآخرين . في مجزرة باريس مثلا  سيقول لك ضميرهم المنفصم  "الارهاب لا دين له" ويقولون لك"انا ادين المجزرة… ولكن كل ما يجري هو نتيجة السياسات الفرنسية." ذات الضمير المنفصم يسكت عن "مجزرة بيروت" قبلها بيوم. ولكن اذا فتّش هذا الضمير قليلا في المجازر السابقة لباريس لن يجد هذا الضمير اي تفسيرات ترضي ضميره امام "مجزرة سوسة" او "سبايكر" في العراق (قتل 1700 شاب عراقي) او مجزرة مطار الطبقة العسكري (قتل 500 شاب سوري) حينما اقتيد العشرات من الجنود السوريين عراة ليقتلوا تحت صيحات التكبير جماعيا رميا بالرصاص. 

طبعا هناك الضمير المؤامراتي التقليدي الذي ينسب ما جرى ويجري الى مقولته المستهلكة "داعش صناعة غربية" دون ان يبذل اي مجهود في البحث عن أصول البربرية في التراث الذي يحمله بين ظهرانيه.

بعيدا عن منطق جلد الذات او اتهامها، من المهم القول بان البربرية التي تمثلها داعش تستفيد  وتتغذى من التقسيم الحدي بين النحن و الهم.دماءالراعي النقية ودماء شباب مسرح الباتاكلون النجسة. دماء جنودنا الشهداء ودماء سياح سوسة الاخرين . هناك في الضمير الجمعي الاسلامي تقسيم لا يختلف عن التقسيم الذي يتبناه الارهابيون بين النحن والهم . هنا البربرية ليست فقط في فعل القتل الذي تم في تونس وباريس وبيروت ولكنها ايضا في الفهم والتعليق على فعل القتل. 

بهستيريا شعبوية انتفض العديد من التونسيين عشية مجزرة باريس لإثبات ان دماء الراعي مبروك السلطاني الذي قتل في نفس اليوم الذي وقعت فيه مجزرة باريس، وحدها تستحق التضامن. لم يعد المهم ادانة القتلة بقدر تفضيل المقتولين بعضهم على بعض! رشحت معزوفة المظلومية والاستعمار والامبريالية. وتنادت الأصوات نحن احق بوصف الضحية وليسوا هم. نحن ضحايا الارهاب وهم الارهابيون الحقيقيون الذين صنعوا الارهاب. يتعلق الامر بلا شك بردة فعل جماعية على الاتهام المبطن لها. تراثكم يختزن شرورا كثيرة، فنرد عليهم انتم ايضا كُنتُم ارهابيين وتاريخكم ارهابي. لم يتردد البعض في استحضار صور مجازر فلسطين وضحايا الثورة الجزائرية من اجل ترضية الانفس وإقناعها بأنهم ايضا ارتكبوا الفظاعات حاضرا وماضيا. نحن في فعل الارهاب سيان وسننام مطمئنين هذه الليلة. ننام مطمئنين ان اسلامنا نقي من الشوائب ومن تهم الارهاب.

آلية الدفاع الذاتي تتكرر كلما ارتكبت داعش التي أتت من ديارنا، مجزرة جديدة. سيصمت الضمير الجمعي اذا ارتكبت هذه المجازر ضد العرب والمسلمين او حتى الاقليات التي تعيش في المنطقة العربية (يزيديين واقباطا )ولكنه سيخرج لنا أسطوانة المظلومية  كلما حدثت هذه المجازر ضد الغربيين الآخرين.

للمرة الألف لا مهرب من الاعتراف قبل الإنكار والهروب ان هؤلاء خرجوا من عندنا وينتمون الى هذا التراث المعلول الذي ننتمي اليه، لن نستطيع وقف زحف داعش وقهرها دون الاعتراف بأنها صنيعتنا وخريجة نصوصنا. دون الاعتراف والمكاشفة لن يكون دواء لهذا الداء. 

البحث عن شماعات والهروب الى الامام عبر اختلاق حكايات نظرية المؤامرة لن يزيد الا في استفحال الداء وتغوّل داعش. من المهم ان ينظر المسلم المطمئن الى إيمانه الى نفسه في المرآة ويقتنع انه يحمل شاء ام ابى بذور الدعوشة ويتعايش معها. على المسلم المسالم المؤمن بربه ان يطرح السؤال الأهم : كيف لي ان اقي نفسي  من جرثومة داعش او ان أكون في طابورها الخامس؟!.

ـــــــــــــــــــــــــــ

كاريكاتير: عبد الوهاب مجدوب (خاص حقائق أون لاين) 

Related Posts

آخر الأخبار

استطلاع رأي

تقدّم عدد من نواب مجلس نواب الشعب، بمقترح مشروع قانون لاعتماد نظام الحصة الواحدة في المؤسسات التربوية العمومية، فهل أنت: