قال أستاذ القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، عبد الرزاق المختار، إن نظام الاقتراع المنصوص عليه في المرسوم الانتخابي الصادر مساء أمس الخميس، "يعتبر خطيرا وسيوقظ كل الشرور والأمراض السياسية الممكنة التي كنا نعيبها على التجارب الانتخابية السابقة"، حسب تعبيره.
"نظام سيشجع على المال السياسي وسيوقظ العشائرية وسيدعم الزبونية":
وأضاف في تصريح لوكالة تونس افريقيا للانباء، اليوم الجمعة، أن هذا النظام "سيشجع على المال السياسي وسيوقظ العشائرية وسيدعم الزبونية، من خلال نظام التزكيات، وسيفتح المجال للمؤثرين بدلا عن الفاعلين والأكفاء، وكذلك لمن له المال والسلطة والوجاهة الاجتماعية"، وفق تقديره.
واعتبر أيضا أن "خطورة هذا النظام تتأتى من عدم ملاءمته مع طبيعة المجتمع التونسي"، موضحا أن نظام الاقتراع على الأفراد يعتمد عادة في مجتمعات تتمتع بتقاليد سياسية عريقة، وقادرة على صنع نخبة سياسية مباشرة ودون وسائط، وأن هذا المعطى غير موجود في تونس، خلافا للمجتمع البريطاني أو الدنماركي أوالفرنسي عل سبيل المثال.
كما لاحظ أن صدور المرسوم الانتخابي، جاء في وقت متأخر جدا أو في الدقائق الأخيرة بالمعنى الانتخابي، وهي بمثابة "فرض لقانون لعبة غير تشاركية "، على حد قوله، وهو ما لا يتوافق مع التقاليد والممارسات الفضلى في المادة الانتخابية التي تقتضي أن يكون كل شيء جاهز قانونيا قبل سنة أو على الأقل قبل ستة أشهر من الانتخابات، فضلا عن وجود نص تشاركي لضمان المقبولية الاجتماعية لقواعد اللعبة الانتخابية في حد ذاتها.
وأشار إلى أنه "ليس هناك طريقة اقتراع فضلى، بل هناك طريقة اقتراع أكثر ملاءمة مع الحاجة، إن كانت تأسيسية أو سياسية أو محلية، ومع طبيعة الانتخابات ومع الواقع المجتمعي الذي يعتمد أساسا على الثقافة السياسية والحزبية السائدة"، مبينا أن الميزة الوحيدة لنظام الاقتراع على الأفراد الذي ينبني عليه النظام الانتخابي الجديد هو "القرب"، إلا أن التصور المطروح لا يحقق هذه الميزة، وفق تقديره.
"مَن له المال والنفوذ هو من سينجح في الترشح":
وأوضح في هذا الصدد، أن تقسيم الدوائر الذي يعتمده المرسوم الانتخابي، لا يحقق عامل القرب لا من جهة تصغير الدوائر ولا من جهة منطقية الترابط بينها، ذلك أنه اعتمد على دوائر واسعة والحال أنه من المفروض أن تكون دوائر ضيقة في نظام الاقتراع على الأفراد، فضلا عن أن بعض الدوائر "عجيبة" من ناحية منطقها الداخلي، حيث سيتم جمع مناطق غير متصلة جغرافيا ضمن دائرة واحدة، إضافة إلى تجميع دوائر غير متكافئة وغير متصلة على المستوى الجغرافي.
ومن وجهة نظر عبد الرزاق المختار، فإن هذا النظام سيفرز مشهدا برلمانيا "أتعس من المشهد السابق"، على حد تعبيره، لأنه "لن يكون برلمان أفكار وكتل وبرامج، بل سيكون بمثابة مجموعة من الأفراد دون رابط أو مشروع أو رؤية تجمعهم.. أفراد في وضعية هشة معرضون لسحب الوكالة منهم في كل وقت، ومن السهل التأثير عليهم وتطويعهم، كما أن البرلمان سيكون ساحة للمال السياسي".
واعتبر أنه في ظل غياب التمويل العمومي في الانتخابات القادمة، "فإن الأبواب ستكون مفتوحة للزبونية والمال السياسي، وبالتالي من له المال والنفوذ هو من سينجح في الترشح"، قائلا "نحن نتجه مباشرة نحو مجلس يضم المهربين ورؤوس الأموال والعشائر والقبائل، كما ستزدهر تجارة التزكيات".
وأضاف في هذا الصدد، أنّ هذا النظام "سيجعل البرلمان أكثر ترذيلا ممّا كان عليه سابقا، وسيجعل الوظيفة التشريعية هشة وسنصبح أمام برلمان أفراد قابلين للتوجيه والتأثير عليهم من السلطة السياسية، وهو ما سيدعم تمركز رئيس الجمهورية كسلطة تنفيذية، لا قدرة لباقي السلط أو الوظائف على مواجهتها"، وفق تقديره.
كما لفت الى أن هذا النظام الانتخابي "قد يفقد البلاد المكتسبات الحقوقية القديمة التي كان قد حققها على غرار التناصف والتشبيب، وبالتالي فهو لن يضمن تمثيلية المرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخصوصية".
واعتبر أنّ التصور الجديد للنظام الانتخابي "غير عملي" باعتباره سيغرق هيئة الانتخابات بمشاكل التزكيات وما تبعها والتثبت منها، كما سيمنح للهيئة "دورا سياسيا غريبا جدا"، حسب وصفه، وهو النظر في مدى وجاهة عملية سحب الوكالة "والحال أنها هيئة انتخابية لا دخل لها في العمل السياسي".
وبين في هذا الصدد، أن عريضة سحب الوكالة من المفروض أن تعرض على مجلس نيابي أو جهة قضائية، ومن غير المقبول أن تسلم لهيئة الانتخابات التي سيصبح لها صلاحية التقييم السياسي لبرنامج مترشح ما.
المصدر: وات