هؤلاء هم القتلة الحقيقيون!

05 يناير 2015 - الساعة 10 و 58 دقيقة
1

عملية ذبح عون الامن محمد علي الشرعبي ليلة الاحد الماضي تؤشر الى بداية مرحلة جديدة في تونس في حربها على الارهاب. هذه المرحلة تتميز بالاساس في مبدإ تحرير المبادرة للخلايا والعناصر السلفية الجهادية التي بقيت في منأى من الاعتقالات ولم تكتشفها قوات الامن منذ بداية المواجهة على اثر حل تنظيم أنصار الشريعة في جويلية 2013. 

ربما تكون أكبر دلالات العملية التي وقعت في ريف مدينة الفحص (30 كلم من العاصمة) أننا سوف نعاني لاشهر وربما لسنوات قادمة من المبادرات الفردية للتكفيريين الذين لم تتفطن لهم قوات الامن والذين بقوا في حالة سراح. لم تعد اوامر تنفيذ العمليات مركزية ولم تعد تخضع لقاعدة "تونس ارض دعوة او ارض جهاد".
فمثلما تتحرك العناصر التكفيرية في المهاجر الاوربية وفي كثير من مناطق العالم استجابة للتحريض القادم من مملكة داعش فان العناصر التكفيرية المتبقية في تونس اصبحت تستجيب لتحريض قياداتها " للاستشهاد في سبيل الله" والانتقام من "لطواغيب" وانتهاك اعراض الاخوات" ومنطق" فك العاني" تضامنا مع المئات من الجهاديين المعتقلين في السجون التونسية. 
من خلال اشرطة الفيديو التحريضية التي تأتي لبقايا العناصر التكفيرية من سوريا وليبيا اتضح ان مسألة اوامر القيادة المركزية التقليدية لم يعد لها معنى مهم. القيادات المحرضة في الخارج وعلى رأسها الارهابيان كمال زروق والمعروف بشقيف وابوبكر الحكيم - الذي اعترف انه قاتل البراهمي - يعلمون ان هناك بقايا مهمة من التكفيريين الذين مايزالون في حالة سراح في تونس كما يعلمون ان الكثير من "الاخوة" عادوا وحلقوا لحاهم واندمجوا مرحليا في الحياة الاجتماعية خشية المراقبة والمعاقبة الامنية.
يملك المحرضون كل المبررات حسب اعتقادهم من اجل دفع بقية التكفيريين الذين مازالوا في حالة سراح الى التحرك من جديد. من المهم التذكير ان زعيم السلفية الجهادية الغائب عن الانظار منذ مدة ،ونعني سيف الله بن حسين، كان قد توعد في حال وصول نداء تونس الى السلطة بحرق البلاد وهي دعوة تكررت في اشرطة الفيديو التحريضية التي روجت مؤخرا.
بالنسبة لقطاع واسع من الشباب التكفيري فان المبررات السياسية والعقائدية للقيام "بعمليات جهادية" اصبحت متوفرة.
الاخطر من كل الدعوات التحريضية المتأتية من الخارج هو ما تقوم به بعض وسائل الاعلام بعضها معترف به وآخر متساهل مع وجوده تعمل تحت نظام الجمهورية وتبرر بشكل غير مباشر الارهاب وتوفر له الارضية لكي يتمدد. وسائل الاعلام هذه تقوم بما يسمى بالفرنسية l'apologie du terrorisme. 
في مرحلة انتقالية ديمقراطية حساسة استجابت لروحها قيادات حركة النهضة ذاتها مازالت بعض وسائل الاعلام المحسوبة على الاسلاميين تقوم بدور تحريضي فاضح وتدفع الشباب التكفيري الى القيام بخطوات عملية من اجل ارتكاب جرائمه. لا يمكن فهم عملية الفحص وما قد يليها لا قدر الله من عمليات دون الاخذ بعين الاعتبار حجم التحريض الذي ساد المواقع الاجتماعية وبعض وسائل الاعلام المعروفة من رفع لشعارات من قبيل "عودة الاستبداد" و"انتصار النظام القديم" بما يعنيه "من فساد وقمع". 
ليس من المبالغة القول ان هذا الاعلام الذي يدعي الانتصار لقيم الثورة وخاصة على المواقع الاجتماعية اصبح يمارس دور المحرض والمبرر للاعمال الارهابية كالتي شهدتها عملية ذبح عون الامن في مدينة الفحص. اعلام يحرض ويكفر ويخون محتاج الى ايادي خبيثة تقوم باتمام العملية عن طريق الذبح والقتل. 
لهذا السبب بالذات فان الاولوية المطلقة للهياكل المهنية الصحفية في المرحلة المقبلة هي العمل على تقنين الممارسة الصحفية بما يستجيب للاعتراف بقيم المواطنة والاختلاف وقيم الجمهورية . فلا مكان لإعلام يحرض كما يتنفس ويمثل القاعدة الخلفية لعمليات القتل والذبح في تونس. كما ان من اهم مهام الحكومة القادمة ضرب المعاقل الخلفية للارهاب وللمحرضين خلف شاشات اجهزة الاعلامية قبل ارسال الجنود لقتال الارهابيين في الشعانبي. 
نعم حرية القول في كل الديمقراطيات امر مقدس، ولكن ليس حرية التحريض على العنف والذبح. نقول هذا الكلام حتى لا تعاد جريمة عون الامن علي الشرعبي. رحمه الله وقدس ثراه.