لم يعد يصدّقنا أحد ! بقلم هادي يحمد

16 فبراير 2015 - الساعة 10 و 36 دقيقة
1

عندما جاؤوا وأخذوا الشيعة في الأنبار وقتلوهم بالمئات في مجزرة سبايكر الشهيرة ،

أدنت العملية باستحياء وقلت أنا لست شيعيا.

عندما خطفوا الأقباط المصريين الواحد والعشرين في ليبيا وذبحوهم على ساحل المتوسط ،

أدنت العملية وقلت بأن اسلامنا سمح، وأنا لست قبطيا.

عندما غزو سنجار وحملوا اليزيديات سبايا وقتلوا رجالهم ،

أدنت العملية، وقلت إني لست يزيديا.

عندما قبضوا على الطيار الاردني معاذ الكساسبة وحرقوه في قفص حديدي ،

أدنت العملية، وقلت إني لست طيارا. 

عندما جاؤوا ليأخذوني.. لم يكن هناك من يدين ذبحي. ومت في صمت ولم يمش خلف جنازتي أحد. 

تركيبة الكلمات الآنفة الذكر لا ترقى بلا شك في جماليتها ووقعها التاريخي  للقصيدة التي كتبها القس الألماني مارتن نيملير بعد نجاته من المحرقة النازية.

كتب نيميلر سنة 1945 قصيدته التي تحدث فيها عن الموقف السلبي والمتواطئ لاعتقال النازيين اليهود والنقابيين والشيوعيين والديمقراطيين دون احتجاج من أحد. كان النازيون يقودون ضحاياهم الى الاعتقال والقتل بالآلاف أمام صمت أوروبا والعالم بأسره. وضعنا الحالي يشبه كثيرا أجواء الرعب التي ثبتتها النازية. لنا نازية جديدة، ربما أكثر شراسة ودموية وقبحا. 

لن نتردد في وصف الظاهرة الاسلامية المتطرفة اليوم بالنازية الجديدة. لا نبالغ في وصفها بانها من أكثر الايديولوجيات فتكا في تاريخ البشرية. كان لأدولف هتلر وجحافل بوليسه القستابو وفيالق الشباب الهتلري الهستيري الدموي المتحمس أسطورة العرق الآري المتفوق على غيره من الأعراق.

ولنا في الرقة والموصل واليمن وليبيا والشعانبي شباب على شاكلتهم رضعوا من ذات ثدي الحقد وايديولوجيا القتل الأعمى تحت عنوان الهوية الدينية وأسطورة "الفرقة المسلمة الناجية الطاهرة". 

للنازية منطلقاتها وأدبياتها وكتابها العنصري البغيض. ولنا كتب تراثية لا تقل عنها عنصرية وعداء للبشرية وللحياة. مقولات من قبيل "نصرت بالرعب" و"جئتكم بالذبح" وشعارات "الدولة الاسلامية" الأخرى هي من عمق تراثنا ومن كتبنا التي نفضت عنها داعش غبار النسيان. لم يعد مهما ان نرفع للعالم كل شعارات اسلامنا المتسامح. لم يعد يصدقنا أحد. سنعيش ربما لعشريات قادمة مرض التوحّد وسط مستنقعات الدم ومدن الخراب. 

سيجد المتواطئون مع القتلة دائما ما يبررون به صمتهم. لن نتحدث عن نظرية المؤامرة والمخطط الامريكي ـ الصهيوني ـ الماسوني... لم يعد يصدقكم أحد. على نفسها جنت براقش. وكل اناء بما فيه يرشح. وتلك بضاعتكم وإرث تراثكم رُدّ اليكم.

هناك منطق تبريري آخر لا يقل تواطؤا عن  الأول. تحت عنوان هوية زائفة وقومية مفرغة سيقرعون الطبول ضد ما يسمونه تدخلا دوليا من أجل انقاذ سرت و تحرير الرقة والموصل وحماية صنعاء. المنطق الذي يمهد للارهاب ويسهل تمدده يقول لك باختصار: انا ضد النازية الداعشية الجديدة وضد التدخل الدولي.

لم يعلم هؤلاء أن هذا التواطؤ لا يفعل أكثر من تسهيل عمل الارهابيين. دون وقوف العالم بأكمله ضد هؤلاء لن يكون هناك خلاص. لم يعد الأمر يتعلق بمجرد محاربة جماعات خارجة عن القانون. لم يعد الأمر يتعلق بالشيعة أو اليزيديين أو السنة أو الاقباط ولا غيرهم.. الواضح أننا أمام آلة قتل اسلامية متطرفة تهدد الجنس البشري بأكمله. انها تهدد كل قيم التعايش التي أسسها الفكر الانساني طوال تاريخه وصراعاته وجهده في بناء الحضارة على هذه الأرض.

الذين لم لم يستوعبوا أن تراثنا يحمل عاهاته في أحشائه وأن الواجب التاريخي يقتضي الحسم الشامل بالمراجعات معه سيواصلون عملهم التبريري الأجوف. سيأجلون حلّ الاشكال ولكنهم لن يتخلصوا نهائيا من المأزق الحقيقي الذي نعيشه أمام أمم الأرض قاطبة. اذا لم نعترف، فلن يصدقنا أحد.

بعد كل جريمة وعمليات ذبح وحرق وقتل، نعاود نفس السؤال حول حقيقة هويتنا. هل ننتمي نحن الى نفس دين هؤلاء؟ سنستدرك سريعا ونلم شتات تيهنا الفكري حتى لا يصيبنا الغثيان. سنستدرك لنعيد للعالم ونردد عليه اسطوانتنا المشروخة وكلامنا المعاود على أسماعهم، في أننا ننتمي الى ثقافة متسامحة وأننا الوارثون لخير أمة أخرجت للناس.

للأسف لم يعد يصدقنا أحد. 

أهم الأخبار