صُنّاع الرأي المزيِّفون

04 يناير 2017 - الساعة 14 و 57 دقيقة
12
بقلم : محمد صالح عمري

في تعبير بليغ تحدّث أحد الكتاب الفرنسيين عن المثقّفين المزيِّفين في كتاب يحمل نفس العنوان خَصّص أغلبه إلى من أسماه "المزيِّف الأكبر" برنار هنري ليفي. وهو لا يقصد بذلك فقط المثقفين الذين يزيِّفون الحقائق وأصحاب الشهائد المشبوهة والتاريخ المزيَّف. بل الأهم من ذلك أنّه قصَد بهذا التوصيف المثقفين الذين يزيِّفون الوعي العام.

ولا أرى في الشأن التونسي أوضح مقابل لهؤلاء من الذين يتصدرون المشهد الإعلامي الخاص من أمثال برهان بسيس وسمير الوافي ونوفل الورتاني ومعز بن غربية. فمنهم من خرج على الناس يوما معتذرا عما فعل زمن بن علي طالبا من التونسيين رميه بالرصاص إن رأوه على شاشة التلفزيون مرة أخرى. ثم عاد... في البداية عبر المال الفاسد وكرة القدم وصراعات أهل القروي وأهل الرياحي، ثم تنقل بعد ذلك بين القنوات حتى أصبح رقما بارزا في الاعلام التونسي. ومنهم من سُجن بتهمة التدليس وانتحل كلام غيره، ومنهم من ادّعى الجنون ومنهم من مرّ مباشرة من خدمة ليلى بن علي إلى منظر في الثورة والثورية.

لهؤلاء صولات وجولات في التلاعب بالرأي العام وتوجيهه حسب مصالح وأجندات وضعوا أنفسهم في خدمتها. ولعل ملابسات اغتيال محمد الزواري وتحوّلها إلى شأن عام درس في تلاعب الإعلام بالرأي العام والشعور الجمعي من قبل من خوصصوا ضمائرهم، وزيّفوا تاريخهم المزيّف أصلا بالالتحاف بغطاء ثوري وبالدفاع عن قضية عادلة.

ولا علاقة لهذا بوصف المقتول بالشهيد من عدمه. فقد ادعى برهان بسيس أنه أوّل من وصف الجريمة بعمل المخابرات الإسرائيلية وقال إنه خاض مفاوضات شاقة، حسب قوله، لدفع حماس وكتائب القسام للاعتراف بانتساب المقتول إليهم الخ.. قام بكل ذلك، في تبادل أدوار مُقرف مع معز بن غربية، حيث ظهر بسيس في مكان سري وبن غربية في أستوديو التاسعة، في إعادة للمكان السري في سويسرا الذي أعلن منه بن غربية معرفته بقتلة شكري بلعيد قبل ان يتراجع عن ذلك ويعلن انّه مريض نفسيا، ليعود بعدها الى قيادة قناة التاسعة.

ولم يحاسب بن غربية على تلاعبه بالرأي العام ونشر أخبار زائفة ولم يحاسب برهان بسيس على علاقات مشبوهة مع جهات أجنبية ولا على تضليل الرأي العام.

هؤلاء خوْصصوا ضمائرهم ودفعوا بالتونسيين نحو مزيد الفرقة والتشنج وعمّقوا من الفجوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع ومهزلوا الثورة والبلاد. وهم بذلك جزء من مشهد عام وأدوات له في الوقت نفسه. فخوصصة الضمائر هي إذن جزء من مسار غابت فيه جماعية القرار ومؤسساتية السلطة ولم تجد ما يعوّضها.

وبما أنّ الضمائر لم تسلم من قدرة النظام السلطوي السابق على تخريب الوعي الفردي وإفساده فقد تركّزت الخوصصة في المعنى السلعي الذي يخضع إلى قوانين السوق دون سواها فأصبح الضمير، كغيره، بضاعة خاصة للتبادل الحر وأصبح للضمائر أثمانها وفي شرائها وبيعها يتنافس المتنافسون.

ولعل من يتصدرون المشهد الإعلامي التونسي على مستوى الحضور والمشاهد يشتركون في التاريخ ماضيا، باعتبارهم وضعوا ضمائرهم في خدمة السلطة السابقة وجميعهم، حاضرا، التنافس والتناحر على اقتسام كعكة المشاهدة والنفوذ والمال.

وقد بلغ بهم الأمر حدّ الإستبداد فمارسوا الإقصاء والتشفي وقرّبوا إليهم المتهافتين على الشهرة والمهرجين.. والأمثلة على كل ذلك كثيرة ومعروفة. لا تهمّهم في ذلك الوسائل ما دامت الغاية النجومية والشعبية. وهي ظاهرة بارزة بعد الثورة. ففي مقال سابق كتبتُ أنّ النجومية قوة طاغية وصناعة وتجارة.

فالواقع أنّ تونس تعيش، ومنذ الانتحار المشهدي للبوعزيزي، على وقع مَشهدية ما فتئت تتدعمّ وتتعقّد، حتى غدا أمل التونسي الأكبر هو الظهور أمام الكاميرا، أيّة كاميرا. وكأنّ البلاد برمّتها في حالة سلْفي ( selfie ) جماعي متواصل.

فالإعلام المشهدي التي يطغى على الساحة الإعلامية الحالية جعل من الإعلامين أنفسهم نجوما لا وسائط، وخلق نجوما على حساب كل شيء، حتى الكرامة والمأساة. وكاد يصبح تناول الإعلام لأوجاع الناس وكرامتهم حِكرا على منطق التنافس الرِّبحي والتلاعب وحتى الابتزاز. إنّ التاريخ هو الذي يفرز بين الأيقونة والنجم. فالأيقونات تسكن الذاكرة بصورة فريدة وأصيلة وتتصف بالتجرد من القيمة التبادلية والربح. أما النجوم فتسكن مواقع الرغبة والإثارة، تحيا بحياتها وتزول بزوالها. الأيقونات باقية أما النجوم فإلى أُفول. إذ يمكن بناء الصورة لبِنة لبِنة، بكتابة موجّهة وحضور تلفزي مدروس وتأنُّق في الملبس والمنطق وعلاقات واستثمارات ...

ولكنّ ذلك لا يضمن البتّة الدخول إلى قلوب الناس والسكن في وجدانهم والتحوّل إلى جزء من هويّتهم. لن يتحول برهان بسيس ـ وسمير الوافي وبن غربية ومن ماثلهم ـ إلى أيقونة مهما علا نجمه وتوسعت شهرته وسلطته.

ولعل الوعي بذلك، والذي يجعل من هؤلاء أبطالا تراجيديين من نوع مهزَلي، هو االشيئ المدمِّر بالنسبة لذواتهم النرجسية وهو مدار حروبهم الدنكيشوتية على الأيقونات. بسيس يعي تماما أنه لن يرتقي يوما ـ حتى بعد مرور الزمن الذي يقتضيه قانون النشوء والارتقاء - إلى أيقونة... لن يرتقي إلى مصاف شكري بلعيد مثلا أو حتى إلى الحزن المكابر لمباركة القاسمي زوجة الراعي المقتول في جبال سمامة ومثيلاتها.

فالأيقونية لا تتحقق بتراكم الرموز السلبية أو بالأقدمية في النفاق أو الشهرة في الزيف أو بالتقرب من المال .... وأقصى ما يصبو إليه النجم من فصيلة هؤلاء أن يتواصل وجوده في المستقبل ... في شكل أُحْفور.

 

* أكاديمي تونسي بجامعة أكسفرد