خالد شوكات يكتب لـ"حقائق أون لاين": الفساد السياسي والفساد المالي.. التوأم الجهنمي

10 يناير 2017 - الساعة 15 و 55 دقيقة
3
بقلم : خالد شوكات

عندما تحدثت في نص سابق، عن وجود عدد كبير نسبيا و"غير مقبول" عمليا ممن لا يحملون "مؤهلا جامعيا" في مؤسسات الحكم، البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية، حاول البعض عن حسن نية أو سوئها، الطعن في الجانب الشكلي للمسألة، وهو جانب ثانوي على أي حال، قياسا بما يجب التركيز عليه، فالأمر لا يتصل بخصومة سياسية مثلما أشار البعض، إذ ليس بيني وبين أحد في هذه المؤسسات المذكورة خصومة شخصية، بقدر ما يتصل بدعوة إلى إنقاذ الديمقراطية التونسية الناشئة من المنزلق الذي تدفع إليه، منزلق الرداءة والدناءة وسوء الأخلاق، للبرهنة لاحقا أن الديمقراطية لا تليق بنا كشعوب عربية مسلمة، وأن المستبد وحده القادر على تقويم اعوجاجنا بعصاه.

إن أي تشخيص لحال الديمقراطية الناشئة، سيقود بالضرورة إلى الوقوف عند ثلاث أحوال رئيسية:

- أنها حالة أزمة نموذجية لما يعرف ب"الديمقراطية التمثيلية"، فخيبة الأمل وعدم الرضا الشعبي حيال مؤسسات الحكم واضحة وجلية، فبين انتظارات المواطنين وأداء البرلمان أو الحكومة أو رئاسة الجمهورية بون شاسع، وأكاد أجزم بأن التونسيين قد يتفاجأون يوميا بالسيرة العملية لمن قاموا بانتخابهم لتمثيل مصالحهم الجمعية، بل إن نخبهم ما انفكت تتساءل ما إذا كان النواب وأعضاء الحكومة هم أفضل من يمكن إفرازهم من شعب عرف بذكائه وطموحه وتميز تجربته السياسية المعاصرة.

-  أنها حالة أزمة نموذجية لما يعرف ب"الديمقراطية المعلقة"، فالصلة بين مؤسسات الحكم ليست على أفضل حال وبالانسجام المطلوب فيما بينها، وقد شكل انقلاب رئيس الجمهورية على رئيس حكومته خلال الصائفة الماضية، ثم اتهام دوائر قضائية لرئيس الحكومة الحالي بتعطيل تشكل المجلس الأعلى للقضاء رمز السلطة الثالثة، وأخيرا التلكؤ الذي تعيشه تونس منذ سنتين ونيف في تنظيم الانتخابات المحلية وتطبيق مقتضيات الباب السابع من الدستور، أحد مظاهر "تعليق الديمقراطية" أو تأجيلها، وهو أمر شائع الحدوث في بلدان أمريكا اللاتينية مثلا، التي تعيش حالة من التداول بين أنظمة ديمقراطية وأنظمة استبدادية منذ قرنين، ولئن أصبح الانقلاب العسكري مسألة شبه مستحيلة، فإن الانقلاب المدني وارد باستمرار. 

-  أنها حالة أزمة نموذجية لما يعرف ب"الديمقراطية المخترقة"، فاختراق الديمقراطية الناشئة خصوصا مسألة شائعة كذلك، وقد حدثني بعض خبراء الانتقال الديمقراطي عند زيارتي الأخيرة للمجر، أن بلادهم وبلدان أوربا الشرقية، قد عانت طيلة عشرية التسعينيات من القرن الماضي، وقبل قبول عضويتها في الاتحاد الأوربي، من مافيات الفساد المالي الذي حاول تطويع السياسيين والإعلاميين والنشطاء الحقوقيين والمدنيين لخدمة أجنداتها، وهكذا أصبحت هذه المافيات متحكمة في أحزاب سياسية ووسائل إعلام ومنظمات مجتمع مدني، وأضحت قادرة على التأثير بشكل واضح وجلي في مراكز صنع القرار. ولا شك أن كل من يتتبع المسار التونسي في الانتقال الديمقراطي سيلاحظ بلا ريب أن للوبيات الفساد المالي دور متعاظم في الحياة السياسية والإعلامية والمدنية، وأن اختراقها لمؤسسات الحكم قد بلغ أوجه خلال الأشهر الأخيرة. 

إن الأحزاب التونسية ضعيفة ومترهلة ومخترقة في غالبيتها، وتكمن خطورة حالتها في أن النظام السياسي الديمقراطي الجديد يمنحها دورا رئيسيا في تشكيل مراكز القرار القيادي في البلاد، ولأنها غير مكتملة المؤسسات أو البرامج أو معايير الاختيار، فإن ما تفرزه غالبا في حال فوزها الانتخابي من قيادات لا تتوفر على الكفاءة أو النجاعة المطلوبة، وتظهر ثلاثية المرحوم محمد عابد الجابري (القبيلة والغنيمة والعقيدة) ما تزال متحكمة بجلاء في العقل السياسي، حيث تتراجع المقاييس الموضوعية لتحل محلها مقاييس القرابة، والتكالب على المنافع التي توفرها الدولة، وتصفية الحسابات الايديولوجية والشخصية، وفي النهاية تنتهي البلاد إلى حالة مفارقة غير محسوبة، مفادها أن البعض يحدث نفسه بأن يحقق من خلال الديمقراطية ما لم يستطع الاستبداد أن يحققه. 

إن إنقاذ الديمقراطية التونسية الناشئة من مزيد الانزلاق نحو الرداءة والدناءة وسوء الأخلاق، مسؤولية تقع على عاتق النخب السياسية والثقافية جميعا، وإلا فإنها ستكون مع البلد الخاسر الأكبر، عندما تستبيح جماعات العضلات المفتولة جماعات المواهب المعقولة، وتطرد العملة السيئة العملة الحسنة، فالقبول بالفساد السياسي هو قبول بدور الفساد المالي في صنع القرار الوطني والعكس صحيح، ذلك أن القبول ببلوغ من هم بلا كفاءة أو مروءة سدة الحكم، يعني تسليم الأمر لمن أوصلهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الكلمات المفاتيح: 

  • خالد شوكات، البرلمان، الحكومة، رئاسة الجمهورية