المرأة: الضّلع الأعوج أم الكائن الحرّ؟ احميدة النيفر

27 أكتوبر 2013 - الساعة 20 و 28 دقيقة
38

بدأت حقائق أون لاين نشر جزء من تاريخها والذي بدأ كمجلة سنة 1979 ناطقة باللغة الفرنسية في مرحلة اولى ثم وابتداء من سنة 1984 كمجلة مزدوجة اللسان (عربي ـ فرنسي). و تحولت حقائق من مجلة الى جريدة بعد 14 جانفي 2011.

بتاريخ 13 مارس 2013 تحولت حقائق الى موقع الكتروني تحت تسمية حقائق أون لاين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حقائق عدد 233 من 2  الى 8 فيفري 1990

يطرح هذا المقال للنص الاسلامي المتصل بالمرأة كما وردت في القرآن الكريم والاحاديث  النبوية، والذي يدفع لتناول هذه المسألة هو جملة مؤشرات هامة تؤكد في جملتها ان المرأة في البلاد العربية والاسلامية مقدمة على خوض غمار صراعات ستحتم في السنوات القليلة القادمة عبر اتساع نمو الوعي العام الحاصل من خلال التناقضات المجتمعية والسياسية، وفي هذا السياق يصبح التاصيل التاريخي والشرعي متأكدا من اجل ان يكون التعامل معاصرا وايجابيا مع الواقع  وتحدياته، ثم لانه كثيرا ما تعتمد نصوص مبتورة او في غير سياقها من اجل دعم مفهوم سائد عن المرأة تتناقله عبر ايديولوجية اللاوعي الجمعي ومن اجل تبرير سلوكنا ومواقفنا.

في هذالمقال، سنتناول النصوص التأسيسية التي يمكن ان تحدد التصور الاسلامي لوضعية المرأة والوجهة التي دعا الى الاخذ بها حتى تطور الحياة وتتطور الحياة بها. 
.
 

اول ما يلفت الانتباه ان القرآن الكريم لا يستعمل مصطلح المرأة الا في سياق انها زوجة، (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا) البقرة 128. او كانت متزوجة (وان كل رجل يورث كلالة او امرأة…) النساء 12  او ستصبح زوجة (ووجد من دونهم امرأتين تذودان) القصص 23.

فكان الوضع الذي يرشحه القرآن  للمرأة هو الوضع العائلي اساسا. ان البناء الاسري هو مجال النشاط الابرز للمرأة كما يقدمه التصور القرآني ومثل هذا الاختيار لا يعني البتة انها دون الرجال في شيء.
 

ومثل هذه المساواة الصريحة واضحة خاصة من خلال مصطلح الانثى والسياق المتجدد الوارد فيه (اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر وانثى بعضكم  من بعض) آل عمران  195.. و(من يعمل من الصالحات من ذكر وانثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة) النساء 124… فكان القرآن يعتبر ان المرأة المساوية للرجل في المجال الانساني والديني لها توجه خاص تبرز فيه امكانياتها اكثر من غيره هو التوجه الاسري..
 

لكن الذي يلفت النظر من جهة اخرى في النص القرآني ان مصطلح  المرأة ورد في سياق مغاير للسياق العائلي الاسري، ففي ثلاثة مواضع ورد حديث عن المرأة صاحبة الاثر السياسي والاجتماعي المباشر: الاول في قوله تعالى (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه) يوسف 30. الثاني في قوله: (اني وجدت امرأة تملكهن واوتيت من كل شيء) النمل 33. والثالث في قضية الشهادة حين يقول سبحانه (فان لم يكونا رجلين فرجل وامراتان ممن ترضون ) البقرة 282.

ففي ستة وعشرين موضعا ترد فيه كلمة المرأة لا نجد سوى هذه الايات  تقدم فيها المرأة وهي تقوم بمهمة خارج البيت والاسرة.

واذا استبعدنا الموضع الثالث الخاص بالشهادة مؤقتا (سوف نعود اليه فيما بعد) فان الموضعين الباقين يقدمان لنا المرأة على المسرح السياسي بوجهين متناقضين. الوجه الاول تبرزه بلقيس ملكة سبا. وملامح هذا الوجه مركزة على الحكمة والتعقل وبعد النظر السياسي فهي عند وصول رسالة من الملك سليمان المتضمنة نوعا من التهديد (الا تعلوا واتوني مسلمين) لم تشأ ان تستبد برايها بل جمعت رجال دولتها واخذت رايهم والملاحظ انهم كانوا شديدي الثقة بانفسهم  ولكنها لم تغتر بما ابدوه من قوة واستعداد للنزال فذكرتهم بان دخول الملوك  ليس من الامور السهلة الهينة وان الاهالي يذوقون من ذلك الويلات فان الملوك (اذا دخلو قرية افسدوها وجعلوا عزة قومها اذلة) لذلك اقترحت مجاملة الملك المراسل ومصانعته بهدية لربح الوقت والنظر في حقيقة التهديد من خلال ما سوف ياتيه بل الرسل. 

وفعلا عاد رسلها بالخبر اليقين فعلمت من قوة هذا الملك ما جعلها تختار مصالحته بالذهاب اليه . (انظر تفاصيل القصة كاملة في سورة النمل وقصة سليان في كتاب قصص الانبياء والنجار ص 333).

نحن مع هذه القصة ازاء امرأة تحكم فتتحمل المسؤولية ولا تندفع مع غرور وعاطفة  قادتها الذين قالوا لها (نحن اولو قوة واولو باس شديد) بل اننا لا نكاد نلمس ونحن نقرأ قصة بلقيس اي اشارة بالتثريب عليها باعتبار انها كانت تحكم قومها وتسوس رجال الدولة. بل على العكس لقد صورها القرآن الكريم في خاتمة المطاف على افضل الصور اذ ان رجاحة عقلها قد قادتها للايمان بدين سليمان وبتوحيد الله.

عكس هذا الانطباع نجده في الوجه الثاني تبرز من خلال امرأة العزيز، انها  المرأة التي تستفيد من سلطتها ونفوذها السياسي لتحقيق شهواتها والدفع بالابرياء  الى السجون كلما حالوا بينها وبين رغبتها الجامحة (انظر القصة كاملة في سورة يوسف وتفسيرها في كتاب قصص الانبياء  ص 125). لقد دخل يوسف عليه السلام السجن لان هذه المرأة صاحبة النفوذ  رات مع زوجها ومستشاريه انه لا يخلصهم من عارهم الذي ذاع في المدينة الا الزج بالشاب البريء في السجن ليقع في ذهن الناس انه لقي جزاء كذبه  وادعائه ما يسيء لسيدة القصر. 
 

امرأة العزيز نموذج مناقض للنموذج الذي صوره لنا القرآن حين تحدث عن بلقيس ملكة سبا وحسن تصرفها ورجاحة عقلها.

ان القرآن يشير من خلال هذين الوجهين النسائيين الى ان المرأة قد تحكم وتعمل في المجال السياسي لكن صورتها ليست واحدة  الملامح فكما انها قادرة علي نشر المفاسد والضلالات (زوجة العزيز) فهي قادرة ايضا على الاصلاح وحسن التصرف (ملكة سبا). وهذه المسألة اكدها القرآن في اكثر من مناسبة اذ وضح ان المرأة ذات ارادة متميزة فقد تصلح مع فساد زوجها كما قد تفسد مع صلاحه.

والمثالان البارزان هما من جهة: امرأة نوح وامرأة لوط.
ومع انهما كانتا تحت تصرف زوجيهما فلم يمنعهما ذلك من انتهاجهما نهجا مناقضا لما كان يريده الزوجان النبيان، ومن جهة اخرى: امرأة فرعون التي ضرب الله بها مثلا للذين امنوا لقد عاشرت احد طغاة الرجال ولم تتأثر به بل اختارت لنفسها المعتقد الذي تريد.
 

ان المرأة في القرآن وان بدت غالبا متحركة في الاطار العائلي الاسري فان ورودها على مسرح الحدث السياسي ممكن جدا لا حرج منه وعندئذ يكون من النساء نماذج لنفاذ البصيرة السياسية كما يكون منهن العكس بحسب العوامل الارادية الشخصية والتأثيرات الخارجية المصاحبة.

وقد يثير الورود الملح للمرأة في القرآن في سياق عائلي اعتقادا انه هو الاصل وان ما عداه هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة اي ان الاصل في المرأة ان تكون زوجة وقد يحصل  الشاذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه ان تكون صاحبة وظيفة سياسية ما.

مثل هذا الاعتقاد يجانب في تقديرنا الصواب  لانه يتجاهل طبيعة القرآن نفسه ككتاب هداية للامة الاسلامية. ان عناية القرآن كانت دوما اكثر تركيزا على ضرورة بقاء تلك الامة التي ربط الايمان اواصرها والتي يجب ان تتواصل عبر معتقداتها وشعائرها وبناها الاجتماعية ازاء الدولة في اي عصر من العصور ومهما كانت صفتها، ان المشروع المجتمعي الحضاري يبدو الهاجس الرئيسي  للخطاب القرآني في حين يبدو الاهتمام بالسياسي وما يدعمه وينجر عنه ثانويا الى ابعد الحدود.
 

لقد كان الاختيار القرآني واضحا من ان المجتمع المدني ممثلا في الامة بحركيتها وقوانينها القادرة علي الانماء والاثراء هو الذي يستطيع وحده الوقوف في وجه السلطة السياسية القادرة على التلون والتشكل ولكنها التي تهدف دوما الى اجتياحه  والقضاء علي ديناميكته  واستقلاله لذا  فان اعتناء القرآن بالمسألة السياسية محدودا حدا لم يتجاوز القواعد العامة والخطوط العريضة . هذا الاختيار المجتمعي للقرآن الكريم المعتمد على حركية الامة هو الذي يفسر في رأينا وفرة النصوص المتحدثة عن المرأة زوجة واما وقلة ورودها ملكة ومسؤولة سياسية راينا مرة اخرى تلك الطبيعة القرآنية تتجلى في هذه الوفرة من جهة وتلك الندرة من جهة اخرى.

ان القرآن الذي جاء ليؤسس وضعا جديدا للانسان (رجلا وامرأة ) لا يستطيع ان يحرم المرأة من القيام بمهمتها السياسية الاجتماعية بشكل مباشر في حين انه رشحها للقيام بالدور الاجتماعي التربوي ( اي السياسي غير المباشر) كزوجة وام لجيل يحمل معه تصوراتها ومطامحها ايا كان نوعها فيعكسها علي المجموعة بكاملها.
 

حديث العيد 

عن ابي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم " وما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من احداكن".
 

هذا جزد من حديث وحيد وواحد على ان المرأة ناقصة عقل ودين وقد رواه صحابيان اضافة لابي سعيد الخذري وهما عبد الله بن عمر وابو هريرة والحديث اخرجه مسلم والبخاري وابن ماجة والترمذي وابو داوود، وقد صنفه البخاري في كتاب الحيض. اما مسلم فقد جعله في كتاب الايمان. باب نقصان الايمان.

واذا نظرنا الى النص  نفسه - أو كما يسميه المختصون المتن - احتجنا الى اخذ الحديث من اوله الى آخره كي ندرك طبيعته وابعاده . يقول البخاري: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اضحى او فطر الى المصلى فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فاني اريتكن اكثر اهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير. وما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من احداكن. قلن  وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله . قال «اليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى قال: فذلك من نقصان عليها. اليس اذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن : بلى قال فذلك من نقصان دينها».

ويمكن لنا تناول هذا الحديث بالقراءة من سبعة اوجه:

1 -  المناسبة التي قيل فيها: ان معرفة الظرف الزمني الذي قال فيه الرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث امر مهم. لقد صرح به يوم عيد، يوم يكون فيه من واجب المسلم ادخال المسرة علي المسلم، فما بالك بالنبي عليه السلام. ان التحديد الزمني يضفي على الحديث مسحة من المزاح بارزة لكن المزاح النبوي كان لا يفترق عن الصدق. فقد كان يمزح ولا يقول الا حقا. فهو يسري عن مستمعه ولكن يوجهه في نفس الوقت.

على  هذا الوجه نستطيع ان نفهم الجو الذي تميز به هذا الحوار بين الرسول وبين النساء يوم العيد. انه يريد منهن ان يتصدقن وينفقن اي ان يخالفن ما تعودنه من ميل الى استجلاب الخيرات للنفس دون مراعاة للزوج او اعتبار لمصدر استرزاقه ودون عناية بمن حرم من سائر النساء مثل هذه النعم

2 -  ويؤكد هذه الوجهة التركيب الذي اختاره الرسول  عليه السلام ليعبر به عن هذا المزاح الناصح لقد قال: «ما رأيت… اذهب للب الرجل… من احداكن»، يؤكد لنا  ان الرسول عليه السلام يقول: انتن على «ضعفكن» تملكن قدرات عجيبة يذهب معها حزم الرجل ادراج الرياح… ان مثل هذه الصياغة ابعد ما يكون عن منزع التقريع او التوبيخ فضلا ان يكون فيه تحسيس بالدونية والاحتقار.

3 - ويزيد في توضيح هذا الامر ان المخاطب  لم يكن الرجل قط. كانت النساء هن المخاطبات ولولا هذا الجو المزاحي لسارع الرسول لتنبيه الرجال، وهم احوج عندئذ للتنبيه الى هذا النقص المتأصل في المرأة والذي يجب عليهم ان يحذروه ويتوجسوا منه. لقد كان يخاطب النساء والنساء فحسب في يوم عيد فاختار لهجة المودة الممزوجة بالنصح والحث على ابواب الخير.

4 -  ومعنى العقل يحتاج الى تامل: فالعقل قسمان. قسم يشمل جانب المواهب والامكانيات التي لا حيلة للانسان فيها كأن يكون احد لامعا في الحساب والمواد النظرية وان يكون عاديا او دون ذلك في الجوانب الادبية والفنية. وقسم آخر من العقل ارادي ينمو ويتطور  او يخبو وينطفئ بحسب الرأس والتنشيط. 

ولا احسب ان الرسول يمكن ان يتحدث عن الاول لانه جانب خلقي لا طاقة لاحد ان يحوله في حين ان المرأة في الجاهلية وفي كل المجتمعات الرجالية يغلب علي «عقلها  الواعي» الفتور لاعتبارات ظرفية ليس الا. وهو جانب يمكن لها ان تتعهده بالعناية والتوعية فينمو ويتطور ويؤكد هذا التفسير ما ذكره الرسول من ان المرأة - لقلة معرفتها بالحياة العامة - اضعف من الرجال في مجال التقاضي والشهادة.

5 -  وللدين ايضا جانبان فهناك الدين بمعنى التدين والتقوى او ما يعفله الانسان تقريبا الى الله وهناك معنى ثان للدين يقصد به الفروض التي الزم الله بها العبد المؤمن ذكرا او انثى. ونقص الدين في هذا الحديث لا يمكن ان يتجه الا للمعنى الثاني وهذا بدليل جواب الرسول نفسه حين قال : اليس اذا حاضت لم تصل ولم تصم. فالمرأة ناقصة عقل وادراك لظروف الحياة الاجتماعية المحجوبة عنها بظروف الهيمنة الرجالية على الواقع، وهي ناقصة دين اي ان الله يم يلزمها بنفس الفروض في كل الازمنة، بل وقعت مراعاة لاحوالها الخاصة فخفف عنها بحسبها.

6 -  ثم لنسأل انفسنا عن علاقة هذا الحديث ببقية الاحكام والاحوال التي نعرفها عن وضع  المرأة في التشريع والتاريخ الاسلاميين. ففيما عدا شهادة القضايا  التي يترجح عدم حصول دراية كافية بها وبتعقيداتها فان شهادة امرأة واحدة منها كافية في خصوص قضايا الرضاع والمعاشرة وما شابهها. فلقد قبل الرسول شهادة امرأة واحدة في مثل هذا النوع من المسائل وقبل عمر رأي امرأة في مدة احتمال الزوجة فراقها لزوجها، كذلك فانها اذا اجرمت فان جزاءها كجزاء الرجل سواد بسواء.

 اضافة لهذا فان الرسول عملا بتوجيه قرآني قبل بيعه النساء  المهاجرات بل ان زوجته السيدة خديجة كانت له ولدعوته الدرع الحصين والكهف المنيع مما جعله يأسى لفراقها الاسى كله فيدعو العام الذي توفيت فيه عام الحزن. هذه الاحكام والاحداث كلها - وغيرها كثير - تنسجم مع اعتبار ان المرأة في السلوك الاسلامي مساوية للرجل في المسؤولية والارادة ولا نجد اي تهجين لمكانتها واستعداداتها.

7 -  مثال هذه الاستعدادات المتحفزة واضحة في الحوار الذي نقرؤه في «حديث العيد»: فنحن ازاء نسوة يحادثن الرسول عليه السلام ويسألن عن امر دينهن دون وجل او تردد وقد سجلت لنا احاديث اخرى  مدى مساهمة النساء في طرح عدة مسائل  على الرسول وفي اصغائه لهن وارجاع ابائهن او ازواجهن الى رايهن ولقد كان هذا بينا مع النساء الشريفات في قومها من امثال هند بنت عتبة وهي تبايع الرسول  يوم الفتح ولكنه واضح ايضا مع غير هذه الطائفة من النساء العربيات اللواتي كن يعبرن عن رجاحة عقل وبعد نظر.

ولعل هذا ما دفع بعمر بن الخطاب ان يولي  «الشفاء» شؤون السوق ولعه فعل ذلك قياسا على قول الرسول:  «والمرأة راعية علي مال زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها».. وعلى هذا النسق اجاز ابو حنيفة ان تكون المرأة قضايا في الاموال اما الطبري فقال تجوز ان تكون المرأة حاكما على الاطلاق  في كل شيء.
 

ولقد كان الرسول عليه السلام يدرك هذه الاستعدادات النسائية فما كان ليقمعها او يستهجنها بل كان  يشجعها ويوجهها. لقد كان يستمع لهن ثم يجيب ويتركهن يستفسرن ثانية لينصت ثم يبين الوجهة. وكان في كل هذه الاحاديث - وحديث العيد نموذج حي عنها - يضع منطلقا للتعامل يمكن المرأة ان تتحرر بشكل تدريجي  في مجتمع لم تكن طبيعة العلاقات الاجتماعية والانسانية فيه قد تغيرت بشكل جذري.

ولنقرأ هذا الحديث والحوار الذي يصور بجلاء كل ما حاولنا ابرازه من خلال قراءتنا لنص «حديث العيد» و من خلال ادراكنا للجهد النبوي في تخليص الانسان - رجلا وامرأة -  من انواع الاستعباد  والاستكبار التي تكبل روح المجتمع فتجعله خانعا ذليلا: عن ابي سعيد الخدري قال اتى رجل بأبنته الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ابنتي هذه ابت ان تتزوج  فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطيعي اباك فقالت: والذي بعثك بالحق -  لا اتزوج حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته . قال حق الزوج على زوجته: لو كانت به قرحة فلحستها  وانتثر منخراه صديدا او دما ثم ابتلعته ما ادت حقه. قالت: والذي بعثك بالحق لا اتزوج ابدا . قال عليه السلام: لا تنكحوهن (لا تزوجوهن) الا باذن .

فهل بعد كل هذا يجوز التردد في القول بان النص الاسلامي حرر المرأة وفتح لها مسارا جديدا ما كانت تعرفه من قبل؟

(فاستجاب لهم ربهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر وانثى).. هذه الاستجابة ليست الا توفية كل عامل جزاء عمله… وذكر ان الرجل والمرأة متساويان عند الله حتى لا يعتز هو بقوته ورياسته على المرأة فيظن انه اقرب الى الله او تتوهم هي ان الرجل ارفع منزلة منها فتتسلط عليها مشاعر الدونية  والهوان. أكد القرآن الكريم ذلك حين قال (بعضكم من بعض) هو من المرأة وهي منه، فلا فرق في البشرية ولا تفاضل بينهما الا بالاعمال… 

هكذا فسر الاستاذ الامام محمد عبده في «المنار» احدى الآيات الاساسية التي تترضع لوضع المرأة بالنسبة للرجل وبالنسبة للمجتمع الاسلامي.

ولعل من المهم ان نضع هذه الآية الكريمة بجانب نصوص اخرى لنبين نوعية المسار الذي اراد الاسلام ان يرسمه للمجتمع العربي في القرن السابع م. وللمجتمعات البشرية التي سوف تأتي من بعده.

ولهذا الغرض اخترنا اربعة نصوص ترسم لنا طبيعة 
العلاقة السائدة بين النساء والرجال في مجتمع  الجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام:

1 -  مات رجل من الانصار يقال له اوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا فجاء ابناء عمه وكانوا كبارا وهم عصبته (الورثة الابعدون) فأخذوا ميراث اوس كله فأتت امرأة اوس للنبي عليه السلام وذكرت له ما جرى فقال عليه السلام ما ادري ما اقول فانزل الله تعالى: ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قال منه او اكثر نصيبا مفروضا) (ذكر اللسيوطي في لباب النقول).

لقد كانت المرأة في الجاهلية لا ترث اباها شأنها في ذلك شأن الاطفال الصغار. ولقد كانت طبيعة العلاقات الجاهلية هي التي تسمح بذلك لانها تعتبر ان التركة  مجعولة للاقوياء الذين يحاربون ولم تكن ترى في ذلك اي حيف او تعسف بحقوق النساء والاطفال. 

2 -  وكان للعرب في جاهليتهم طلاق ومراجعة في العدة، ولم يكن للطلاق حد فكان الرجل قادرا على الطلاق مائة مرة حتى قال رجل لامرأته: لا اطلقك فتبيني ولا آويك ابدا. فقالت وكيف ذلك؟ قال: اطلقك فكلما همت عدتك ان تنتهي راجعتك.. اي انه رأى ان يتركها معلقة لا هي معه ولا تحل لغيره.. فذهبت المرأة واخبرت الرسول فسكت حتى نزل عليه: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف او تسريح بإحسان). مرة اخرى نحس هذه الرغبة الواضحة في تغيير نوعي لطبيعة العلاقات الاجتماعية والتي فرضتها مرحلة الجاهلية واوجدت لها كل المبررات.

3 -  وكانت المرأة المتزوجة المتوفى زوجها تمكث في الجاهلية عاما كاملا مهجورة لا تخرج ولا تتزين ولا تتنظف فاذا مضى الحول اتوها بدابة (حمار او شاة ) فتمسح جلدها به لتنظف وقد بلغت بها القذارة وسوء الحال مبلغهما ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها وفي ذلك قال الرسول محددا عدة الارملة: «انما هي اربعة اشهر وعشر وقد كانت احدا كن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول».

لقد رفض الاسلام ان تستمر هذه المعاملة اللاانسانية للمرأة فجاء التحديد الاسلامي لمدة مقبولة مع الغاء كل مظاهر التعقيد والازدراء  تأكيدا على بدء مرحلة جديدة في حياة المجتمع الانساني.

 4 -  وكان هناك العضل الذي حدثنا عنه القرآن شكلا آخر من اشكال التصرف الذي مارسه الجاهليون مع النساء استغلالا لضعفهن وتكريسا لاستبداد الرجال، كان الرجل يتزوج المرأة فان لم توافقه فارقها على ان لا تتزوج الا باذنه ويأتي بالشهود فيكتب عليها ذلك فاذا خطبها خاطب فان اعطت لزوجها الاول ما يطلبه منها من مال وارضته اذن لها والاعضلها وكان كثير من الرجال يضيقون عليهن حتى تفتدي نفسها بما عندها من مال او صداق وفي هذا يقول تعالى (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما اتيتموهن).

مثل هذه النصوص قادرة ان تبين طبيعة الوضع الذي كانت ترزح تحته المرأة العربية في الجاهلية وهي نصوص وان وضعت بجانب اية ا لافتتاح (فاستجاب لهم ربهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر وانثى) ادركنا بعد الشقة التي جاء الاسلام لتجاوزها. 

فما بين آية المساواة (لا اضيع عمل عامل منكم) وهي التي تضع الغاية والنهاية وبين ما كانت تعانيه المرأة من اوضاع متدنية تصغر النفس وتذلها فيخفت هاجس الانسانية  فيها ويذوي منها كل توق للارقى، بين الغاية والواقع ندرك مدى الجهد الذي كان يتحمله الرسول عليه السلام وهو يعدل تدريجيا في طبيعة  العلاقات الاجتماعية بطريقة تجعل التحول ممكنا لا رجعة فيه ودون اي تسرع يمكن ان يجهض التجربة  برمتها او تباطؤ يحول بين المرأة وانعتاقها مما كانت عليه من دونية. ومن خلال هذا التحول التدريجي كان لابد من ظهور العائلة المسلمة النموذجية.

اذا ادركنا مدى تعقيد هذه الحركية الاجتماعية المهددة بأنواع الانزلاقات فهمنا لماذا كان الرسول عليه السلام يقول احيانا: «النساء شقائق الرجال» و"أكمل المؤمنين ايمانا احسنهم خلقا والطفهم بأهله» و«خياركم خياركم لأهله». وقوله في احيان اخرى «حق الزوجة على زوجها ان يطعمها اذا طعم ويكسوها اذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر الا في البيت» او جوابه لعائشة عن اي الناس اعظم حقا على المرأة فأجاب «زوجها» أو قوله «لو صلح لبشر ان يسجد لبشر لامرت المرأة ان تسجد لزوجها».

وبين قوله في طائفة ثالثة من الاحاديث: لقد اطاف ببيت محمد نساء كثير يشكون ازواجهن ليس اولئك بخياركم (عن الرجال الذين يضربون نساءهم). او حديث الايم التي جاءت تسأل عن حقوق الزوج عليها فحدد لها الرسول تلك الواجبات فلم ترق لها فقالت:

"لا جرم ولا اتزوج ابدا" ولم يعلق الرسول على موقفها (حديث ابن عباس اخرجه الطبراني).

هذه الاصناف من الاحاديث -  وغيرها كثير لابد ان توضع معا حتى تبرز لنا حساسية المشروع الاجتماعي الاسلامي بالنظر لاعتبارين اساسيين: «الغاية - المثال» من جهة والواقع الثقيل من جهة اخرى. 

ان صعوبة التعامل مع مثل هذا الموضوع بالنظر الى التراكمات التاريخية وبالنظر لمدى سهولة  الانزلاق في الخطأ الناجم عن تصور غير واضح لوضعية المرأة المسلمة وبالنظر الى احتياج مثل هذه التحولات الى ما يدعمها من تغيير ملموس في البنى الاجتماعية والاقتصادية ، هذه الصعوبة البالغة تجدها ماثلة امامك في حديث نبوي جامع صور تعقيدات وضعية المرأة وبالتالي دقة المشروع التغييري، قال عليه السلام «استوصوا بالنساء خيرا فان المرأة خلقت من ضلع، وان اعوج شيء في الضلع اعلاه، فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل اعوج فاستوصوا بالنساء» (رواه الشيخان عن ابي هريرة مرفوعا).

هذا النص لا يمكن ان نقرأه بمعزل عن الاطار الاجتماعي والنفسي الشديد التعقيد الذي حاول فيه الاسلام ان يحقق تغييرات مرحلية لاعتقاده ان كل عجلة من شأنه ان تؤدي الى «انكسار» وان كل اهمال سوف يؤول الى مزيد من التردي والخذلان ان اختيار الضلع الذي تحتاج الى تقويم لتصوير الوضعية الدقيقة للمرأة موفق الى ابعد الحدود. انه استطاع من خلال هذا «المجاز» ان يرسم سياسة تحررية للمرأة كانت قادرة - لو اتبعت بوعي ودعمت باوضاع اجتماعية ملائمة - على تحقيق مسار انعتاقي فريد للمجتمعات التي فتحها المسلمون بعد ذلك.

لكن الذي حصل هو العكس فلقد  كان لتلك المجتمعات المفتوحة اسوأ الاثر على هذه التجربة النبوية التي ادركت بعمق معنى تحرر المرأة ومستلزماتها المرحلية والغائية.

الخصوصية والمساواة

جاءت امرأة الرسول عليه السلام فقال : اني  رسول النساء اليك وما منهن  امرأة عملت او لم تعلم الا وهي تهوي مخرجي اليك الله رب الرجال والنساء والههن وان رسول الله الى  الرجال والنساء كتب الله الجهاد على الرجال فان اصابوا اجروا وان استشهدوا كانوا احياء عند ربهم يرزقون فما يعدل من اعمالهن من الطاعة؟

لو وقفنا عند هذا الحد من الحديث واجلنا الاستماع الى جواب الرسول (ص)  الى ما بعد فماذا نجد امامنا؟ نجد امرأة موفدة من قبل النساء المسلمات  يسألن في الحاح وهن على كلمة واحدة عن سبب عدم تسويتهن مع الرجال في قضية الجهاد التي يبدو ان سبب عدم تسويتهن مع  الرجال في قضية الجهاد التي يبدو ان الشرق قد ميز بها  الرجال عن النساء. فهل يخامرنا ونحن نقرأ هذا الجزء الاول من الحديث اننا نستمع الى كلام من نقص عقله اورق دينه؟ العكس هو الصحيح، نحن امام تساؤل جماعي لمن كمل وعيه وزكت تقواه فاراد ان لا يكون اقل من غيره في الجهاد والاجر بعد ان اختار اتباع سبيل الله الواحد والرسول الخاتم .

فهل قبح الرسول عليه السلام كلام هذا؟ وصنيعها وكل من وراءها من النسوة؟ لقد اجاب موضحا ان النساء من الاجر والفضل ما يعدل جهاد الرجال ان هن حرصن على «طاعة ازواجهن والمعرفة بحقوقهن» ثم اضاف: «قليل منكن من يفعله». وفي جواب النبي عليه السلام نلاحظ امرين رئيسين: الاول تصحيح مسألة المساواة ذلك ان كلام المرأة الموفدة من قبل النساء يؤكد على ان التزامهن بالتوحيد يؤدي الى  الى اشتراك في الوظيفة الاجتماعية.

فكما ان الله هو رب  الرجال والنساء والرسول مبعوث الى الجنسين سواء فذلك يؤدي الى ضرورة تماثل المهمات بين الجنسين. ثم هذا التصور رده الرسول لانه يلغي الخصوصية بدافع المساواة ولقد كانت الصورة النموذجية للمجتمع الاسلامي قائمة على التوفيق المتواصل بين المساواة والخصوصية.

في حين كانت المجتمعات  الاخرى تقوم غالبا علي الافراط في احد الطرفين مقابل التفريط في الطرف الآخر فهي اما مبالغة  في التأكيد على الخصوصية  الامر الذي يؤدي بالمرأة الى الانطواء في عالم ضيق وكريه لا تعرف ما يحصل خارجه. او هي قاطعة لكل روابطها الخاصة بوضعيتها كزوجة وام وربة اسرة لكي تصبح صورة مشابهة لصورة الرجل في اهتاماماته وميوله وحتى شكله.

لقد اختار الاسلام ان يكون اللمرأة وضع يمتاز به نسق مفتوح ويتمثل في ضرورة محافظتها على خصائصها النوعية والاجتماعية مع درتها الفعلية في الانفتاح على العالم من حولها ماديا وذهنيا. وهذا ما جعل النبي عليه الصلاة والسلام يصحح قول المرأة التي اعطت للمساواة لا تلغي الخصوصية  بل هي تؤكدها وتثريها لانها تفتح امام المرأة - ومن ورائها كل الاجيال الصاعدة - أبوابا من الوعي والمسؤولية لا عهد لها بها من قبل حين ارتبطت وضعيتها بجانب الخصوصية واهملت جانب المساواة.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام رابطا بين جانبي المعادلة الصعبة «طاعة ازواجهن»  (الواجبات )مع «المعرفة بحقوقهن» (الحقوق).

وتأكيدا على نفس هذه المعادلة الصعبة نجد في حديث آخر للرسول عليه السلام انه اجاب السيدة عائشة التي سألته: اي الناس اعظم حقا على المرأة  فقال: زوجها فاي الناس اعظم حقا على الرجل قال : امه.
(اخرجه البزار والحاكم) .ان هذا الحديث يوضح لنا جانبا هاما من مسألة الخصوصية والمساواة في وضعية المرأة المسلمة. لقد كان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم مركزا وشافيا اذ بين ان العلاقة بين الرجل والمرأة - اسلاميا -  ليس علاقة ذات اتجاه واحد بل هي علاقة جدلية يتبادل  فيها الرجل والمرأة التفاعل رغم الاختلافات الجزئية والظرفية التي لا تغير من طبيعة العلاقة وان غيرت احاينا كثيرة من نوعيتها.

ففي كثير من المجتمعات بدا الرجل في  فترات متلاحقة، وكأنه  السيد المطاع وصاحب القرار الاوحد، منه تنطلق الاوامر واليه تعود المسؤوليات في النهاية وان المرأة تصبح عندئذ مجرد |آلة طيعة تسعى لتحقيق راحته وخدمة اغراضه. مثل هذا الاعتقاد ينقصه حسب التصور الاسلامي الكثير لكي يتطابق مع الحقائق الموضوعية، ذلك ان «سيادة الرجل» متلازمة مع نوعية الافكار التي تنقلها المرأة عبر الثقافة والعادات والمواقف التي تنقلها للاطفالوهم لا يزاولون صغارا. فكل النساء يساهمن الى حد بعيد في صناعة مستقبلهن  وبالتحديد في بلورة نوعية العلاقة التي سوف تربطها بالرجال.

قد تكون علاقة خضوع واستسلام  وقد تكون علاقة تسلط وهيمنة وقد تكون علاقة تعاون وتعاضد. المؤكد ان للنساء دورا هاما في نحت توجه الرجال ازاءهن وهو التوجه الذي يتدعم بعد ذلك بحسب متطلبات الاوضاع الاجتماعية - المادية . هكذا يمكن فهم جواب الرسول عليه السلام لعائشة حين سألته عن اي الناس اعظم حقا على المرأة.

امر رئيسي ثان نلحظه في قول النبي عليه السلام لوافد النساء عليه: «طاعة ازواجهن والمعرفة بحقوقهن  وقليل منكن من يفعله» فالواضح ان الايمان بالله واتباع الرسول لم يغير بشكل الي عقلية المرأة ونظرتها لأمور الحياة الاجتماعية. ان هذا التغيير عمل نهضوي عملاق لا يمكن ان يتحقق بين عشية وضحاها. ان تراكمات تاريخية شديدة الاثر علي الاوضاع والنفوس حالت دون ارتعقاء العلاقة  بين الرجال والنساء  الى المستوى الذي يحقق لها طابع التحرر والمسؤولية اللازمين.

وكان من جراء ذلك ان بدت المرأة عبر المراحل المتوالية وكأنها كائن تافه ومحدود  وفي هذا السياق نفهم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل في النساء الا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد». (اخرجةه الشيخان عن ابي موسى الاشعري). ان هذه الندرة في الرقي والكمال الايماني ضمن صفوف النساء مقابل الوفرة عند الرجال ترجع بالاساس الى ضغط التراكمات التاريخية التي كادت ان تطمس على كل طاقات المرأة.

ان تغيير عقلية المرأة عمل نهضوي وشاق لسببين هامين، فهو يتطلب من المرأة تحملا كبيرا يغير ما ا عتادت عليه من سلوكيات  وميولات اصبحت مستساغة لديها. وهو في نفس الوقت يتطلب تحولات موضوعية في الواقع تسند المرأة ووعيها الجديد بذاتها والذي يحصل غالبا هو عدم توفير الشرطين معا مما يؤول  الى انتكاس التجربة النهضوية برمتها.

ان صعوبة الاختيار الاسلامي والاجتماعي تكمن في تأكيده من جهة اعلى ان النساء يحتجن الى تحولات ذاتية قليل منهن من يتحملها رغم ما اثبتنه من امكانيات حقيقية في الفعل  والتأثير والرقي. وعلى ان هذا التحول لابد ان يتزامن من جهة اخري مع تغيرات موضوعية تجعل تلك الخطوات راسخة لا رجعة فيها وبالخصوص بالنسبة  للرجال الذين استساغوا ما اعتادوه من احوال وانكروا ضرورة تغييرها نوعيا. مثل هذا المشروع النهضوي الضخم العسير ان لم يتحقق في القرون السابقة فهو اليوم ادعى للتحقق لاننا نعيش ظروفا تحتم علينا مراجعات جوهرية على كل المستويات.

ان الاختيار الاسلامي الاجتماعي قابل اليوم لتحقق اكثر من اي وقت مضى، هذا لو عرفنا كيف نقرأ التجربة النبوية والنصوص الاسلامية التي اسستها والمتمثلة في القرآن الكريم وما صح من الاحاديث.

اننا نقرأ في سورة آل عمران قوله تعالى : (فقال تعاولا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم في نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين) واننا نجد في هذه الآية مطالبة القرآن الكريم الرسول ان يدعو المحاجين من المسلمين ومن اهل الكتاب للمشاركة في مبارزة دينية يساهم فيها النساء والاولاد والرجال على اعتبار ان هذه الاطراف جميعا تتحمل اقساطا من المسؤولية في الامور العاملة للامة.

واليوم نقرأ هذه الآية ونحن نعيش مبارزة حديثة تتمثل في تحد حضاري اجتماعي. اننا مع هذه الآية  ندرك انه لا يمكن بحال قبول غياب المرأة  او تهميشها كما لا يمكن قبول مشاركتها الا وهي واعية ان مساهمتها في تحقيق  المشروع تعني في نفس الوقت مساواتها بالرجل من جهة ومحافظتها على خصوصيتها كعمود فقري للأسرة من ناحية اخرى. بهذه القراءة وهذا الفهم يمكن ان نقي مشروع النهضة العربية الاسلامية من التردي والانتكاس. 

 

أهم الأخبار