الطريق إلى تحرير الرقة

29 أغسطس 2014 - الساعة 21 و 43 دقيقة
1

الجنود السوريون العراة الذين قيدوا واقتيدوا وقتلوا رميا بالرصاص في صحراء الرقة ذكرونا بمشهد ما. بمنظر لا يمكن أن تنساه البشرية. يوم أن اقتيد اليهود بالالاف أثناء الحرب العالمية الثانية الى المحرقة النازية في معتقلات اشويتس وداخو وبلزاك... القائمة تطول لمعتقلات نازية هتلر. 

نحن شهود اليوم على أبشع المجازر البشرية في القرن الواحد والعشرين. بالامس القريب ارتكبت هذه الجرائم باسم صليب هتلر المعقوف واليوم تحت هتافات التكبير وتحت راية العقاب. 

ليس من المبالغة القول ان النازية والفاشية تعاملتا بأكثر انسانية مع معتقليها مما تفعل داعش مع أسراها في الرقة ودير الزور والموصل وأرياف العراق وسورية.

يجتهد المؤرخون منذ أكثر من نصف قرن في جمع وتوثيق جرائم النازية غير أن داعش تكفينا عناء التوثيق فهي نفسها تسجل وتصور جرائمها بالالوان وتوزعها في مشهد فرجوي دموي تحت ظل حديث نبوي يقول"بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب"  (أخرجه مسلم والترمذي وأحمد) . واخر يقول"جئتكم بالذبح"(مسند الإمام أحمد (11/ 610 ـ 611).

ما نشاهده منذ أزيد من عام في العراق وسورية وسيناء واليمن وليبيا وجبال الشعانبي عندنا في تونس (جريمة ذبح الجنود في رمضان 2013) جعل الكثير من المسلمين يعيدون قراءة وفهم ونبش نصوصهم. عاد الكثير منا الى البحث في القرآن عن معنى "ضرب الرقاب" و"الاثخان في الارض" و"شد الوثاق" و"المرتد" و"الرافضي" ومعان ومصطلحات أخرى تستعملها داعش وتقول انها موجودة في كتابنا المقدس. 

التحدى بات أكثر وضوحا للضمير الاسلامي شرقا وغربا اليوم: إخراج داعش من النص أو ننسحب نحن من هذا النص ونطويه غير مأسوف عليه. 

هناك اليوم حيرة في الضمير العربي الاسلامي حول سؤال ما العمل مع داعش؟.

من الواضح ان المعركة معها ليست عسكرية وضربات جوية وتحريرا للرقة والموصل بقدر ما هي معركة تحرير النصوص واخراج الرؤية الداعشية منها. 

ليس من المبالغة اليوم القول ان كل المسلمين وعلى اختلاف درجات ايمانهم يعيشون الآن الصدمة الحضارية والتاريخية تجاه هؤلاء الذين يقرؤون القرآن ويقيمون الصلاة ويرفعون راية لا اله الا الله ثم يمضون يذبحون المواطنين والجنود ويصلبونهم ويستبيحون أعراضهم وينكلون بجثثهم في مشاهد اهتز لها ضمير البشرية جمعاء.  

مضى الكثير منا منذ بدايات المجازر الداعشية الى حجة سهلة وممجوجة ولم تعد مقنعة وهو ان هؤلاء هم صنيعة مخابرات اجنبية وهم بيادق لتطبيق المشروع الامريكي الصهيوني الماسوني في الشرق الاوسط الجديد. هكذا نفض هذا الفريق عن نفسه وعن تراثه ونصوصه المقدسة كل المسؤولية. 

هذه العملية الانكارية تجاه الذات عبر إلقاء المسؤولية على الاخرين تعفي هؤلاء من طرح السؤال ورفض مراجعة النصوص وسد باب ريح لو فتحناه لقلب حياتنا رأسا على عقب.

اصحاب هذه القراءة حول نشأة وتمويل وتمدد داعش هم في الغالب من المسلمين الطيبين الذي عاشوا باسلام كارنفالي مسالم طوال أربعة عشر قرنا ويريدون باخلاص حقيقي ان يكملوا حياتهم مع هذا الاسلام الطيب المسالم الذي يصومون فيه طقس رمضان ويحتفلون فيه بالعيد بنبيذ او بدونه ويمارسون الحب والحياة مسكونين بازدواجية الايمان العجائزي المطمئن لينهوا حياتهم بامنية الحج الى بيت الله الحرام. 

مقابل هذه الطريقة الانكارية في مواجهة داعش هناك باحثون في الاسلاميات ومثقفون عرب تفطنوا الى اننا أمام مارد خرج من قمقمه ولم يعد من الممكن التخلص منه الا بمواجهته والقيام بعملية عسيرة ومكلفة وتاريخية لتدمير القمقم ذاته والحاضنة الادبية والنصية التي كونت شخصية الدواعش. 

الشجاعة التاريخية اليوم وحدها تفترض أن نقر ان هؤلاء البرابرة او خوارج العصر كما يسمون في الادبيات الاسلامية هم أحد نتاج ثقافتنا.

من المؤلم ان ننظر الى ذواتنا في المرآة. 

سننكر حتما بشاعة المشهد.. ولكن وحدها الحقيقة ساطعة كما يقول الفلاسفة والحكماء.

الشجاعة الادبية تفترض القول ان برابرة داعش لم ينزلوا علينا من جبال الانديز في أمريكا اللاتينية ، ولا من قمم الهملايا في آسيا الوسطى . ولم ترسلهم لا هلاري كلنتون ولا مخابرات السي اي اي. لم يخرج هؤلاء الا من ثنايا نصوصنا العتيقة.وهم يتكاثرون مثل فيروس الايدز في الجسد العربي الاسلامي بفعل علل في مناهجنا المدرسية.

الشجاعة الحضرية تفترض ان نعترف للعالم بلا مواربة ولا تقية اننا نحمل عاهة مستديمة عمرها أزيد من سبعة قرون أو ربما أكثر بحسب التأريخ لبداية عصور الظلام الاسلامية.

الشجاعة أمام الانسانية تفترض ان نقف امام المرآة ونقول ان الدواعش خرجوا من بيوتنا وشوارعنا وكانوا يوما ما يحتسون قهوة الصباح مسالمين على قارعة الطريق يمارسون الاسلام الكرنفالي البسيط فجاءهم من اقنعهم ان هناك نصوصا اخرى لإسلام آخر لم تقع مراجعتها و لم يبذل الجهد الكافي من أجل إيجاد تأويلات أكثر انسانية ومواءمة للحياة. 

من المعلوم ان مثل هذا القول صادم للمسلمين، اسلامييهم وحداثييهم، ولكنه الحقيقة. بدء العلاج يفترض معاينة المرض أولا. أول خطوة هو الاعتراف أمام الله وأمام التاريخ والاعتذار للبشرية جمعاء عما يقرتفه هؤلاء من جرائم باسم الله.

داعش هي ضميرنا الجمعي المسكوت عنه في تفسير الطبري  والصحاح وفي كتب الاولين.

داعش هي الضمير الاسلامي المسكوت عنه الذي جاء ليعيد انتاج النص بعلله وتفسيراته الظلامية. داعش هي المواطن العربي في القرن الواحد والعشرين كما صهرته المناهج التعليمية وكما لقن وكما انخرط في الحياة بازدواجية وانفصام شخصية مقيتة.

مسؤولية مواجهة داعش هي اليوم مسؤولية ثقافية وتاريخية قبل ان تكون مواجهة مسلحة. نعم من المهم ابادة الدواعش وارسالهم الى "الحور العين" في جنتهم التي يوعدون، ولكن الاهم هو إخراجهم من النصوص والقيام بالجهد الفكري والبحثي اللازم من اجل تدمير كل البنى النصية التي يستندون اليها.

من المهم البدء بمجهود بحثي ومعرفي حقيقي من اجل اعادة قراءة النصوص والبنى الثقافية المنتجة للدواعش. الجميع وبدون استثناء له الحق والاهلية في ان يقوم بهذا الجهد.

المصلحة التاريخية لمن يطلق عليهم بالاسلاميين المعتدلين ان يكونوا هم انفسهم وقادتهم أول المبادرين بهذا الجهد. من المهم ان يعيد هؤلاء تفسير ايات الجهاد والنفير لأتباعهم وإقناعهم ان هذه المصطلحات لم تعد موائمة لروح العصر ومنطق التاريخ.

من المهم القول ان الرؤية الداعشية التقليدية مازالت حية في ادبيات هذه التنظيمات. لذلك هناك حرج حقيقي لهؤلاء الذين يقولون انهم يؤمنون بالعملية الديمقراطية ومنخرطون في مشروع الانتخابات والدولة المدنية في التخلص من الميراث الداعشي. 

بعد حوالي ثلاث سنوات من الحرب الاهلية السورية والتي يسميها البعض "ثورة سورية" مازال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يحرض على مزيد من القتال في هذا البلد ودعا في بيانه الختامي (يوم 22 أوت 2014)  "فصائل المعارضة السورية إلى توحيد صفوفها لكسر شوكة الطغيان"!

المقصود طبعا من فصائل المعارضة السورية في نظر الاتحاد والذي يتحكم فيه التنظيم الدولي للاخوان هو بالقطع "الجبهة الاسلامية" المشكلة من قبل التنظيمات الاسلامية ومن بينها "جبهة النصرة" النسخة الداعشية عقائديا وفكريا في المعارضة السورية!

لم تفهم التنظيمات والاحزاب الاسلامية التي تقول انها منخرطة في العملية الديمقراطية انها اكثر المتضررين من وجود داعش وأخواتها وبالتالي فانها مطالبة اكثر من غيرها للتمايز عنها ومحاربتها فكريا وسياسيا وحضاريا.

من الغريب ان تمضي هذه التنظيمات في سياسة الإنكار والتعمية على هذا الواقع بل في التقليل من الخطر رافعة شعارا سياسويا ممجوجا عنوانه الاسلام في خطر.

من يطلق عليهم بالاسلاميين المعتدلين على درجاتهم مطالبون اكثر من غيرهم بإطلاق جهد حقيقي من اجل الخروج من المأزق التاريخي والتصالح مع العصر والحياة والمساهمة في العمل على مراجعة المنظومة التراثية الدموية وتفكيك البنى التحتية المنتجة للدواعش. 

طبعا هناك جهد حقيقي بحثي وجامعي من المفترض انه بدأ في تونس على سبيل المثال منذ عشريات من اجل مراجعة المنظومة التراثية وايجاد قراءات اكثر رحابة واكثر تسامحا من اجل مصالحة الاسلام مع العصر والتاريخ. هذا المجهود من المهم ان يتطور ويخرج من غرف البحث النخبوية الى الضمير الشعبي. في هذا الباب من المهم ان يتحمل الجامعيون مسؤولياتهم في هذا الجهد عبر فتح مراكز بحث واقامة المنتديات والمؤتمرات التي تعيد قراءة المنظومة القديمة المتهالكة والمنتجة لثقافة النحر.

هنا ايضا يتأسس مجهود الدولة بكل امكانياتها في ان تمضي في هذا المشروع. من المهم لنا كتونسيين ان نشرع في هذا الجهد حتى لا تكون بلادنا مصدرة للارهاب والارهابيين. من المحزن ونحن نشاهد أشرطة الذبح والقتل في ريف الرقة والموصل ان نسمع اللهجة التونسية بكثافة غريبة.

مهما كانت اعداد التونسيين المقاتلين في سوريا والعراق - وهذا موضوع اخر حول من فتح لهم ابوب الرحيل للارهاب - نحن كتونسيين وعرب ومسلمين أمام مسؤولية حقيقية ومطالبون أكثر من اي وقت مضى بالاعتراف ورفض ثقافة الانكار.

اصبح الطريق واضحا أمامنا لتحرير الرقة: إما سياسة شاملة للإنقاذ أو الانغماس أكثر في الظلام.

أهم الأخبار