إلى متى ستستمر العناية الجمعية الفائقة؟

05 يناير 2017 - الساعة 16 و 31 دقيقة
12
بقلم : محجوب لطفي بلهادي

مع اقتراب موعد 14 جانفى التاريخي.. نحاول بكل هدوء تقديم قراءة سوسيو-نفسية لتجربة التونسي مع الثورة علّها تساهم في فك الاشتباك "الدونكيشوتى" الدّائر اليوم بين فرسان الثورة المنتحلى الصفة ومناهضيهم المتزلفين المشككين حتى في وجود يوم 14 جانفى 2011 في التقويم الميلادي...

 أمّا بعد ...

I-    في "سوسيولوجيا" الثورة التونسية...

"وجدتها، وجدتها " صرخة أطلقها مكتشف نظرية الطفو "أرخميدس"Archimède  منذ ألاف السنين لنستعيدها اليوم بصيغة الجمع بعد أن بلغ "الشك السارتري" في التجربة التونسية ذروته...
ثورة أم ربيعا مخبريا ؟ مصادفة أم دفعا من الخلف كما يحلو للمولعين "بالتحنيط" في زمن سقوط صنم الايدولوجيا دون رجعة ؟ لتأتى الإجابة سريعة دون الحاجة لاستكمال آجال التقادم الأرشيفي !

فبعد المصادقة "السريالية" على دستور الجمهورية الثانية  فٌتح الصندوق الأسود ليوميات الثورة التونسية لتكشف عن نمذجة متفردة من الانتقال في طور التشكّل بأنامل ومخيلة جمعية تونسية ...
اقترنت الثورة  في لسان العرب بصور الهيجان والوثوب والعنف..أمّا اصطلاحا فقد اختلفت التعريفات باختلاف المقاربات والمدارس إلا إنها اجتمعت جميعها على اعتبار الثورة حركة اجتماعية تحلّ بموجبها أسطورة جديدة محلّ أسطورة قديمة، وأنّ القائد في الثورة في مراحلها الأولى هو من نوع المحرّض، وفي المرحلة التي تكتسب فيها الثورة شرعيتها يكون القائد من نوع رجل دولة...
على نقيض هذه الوصفة النمطية "لسوسيولوجيا الثورة" لم تبحث التجربة التونسية عن أسطورة جديدة بل استمدت أساطيرها وقصصها من الممكن والمتاح خارج دائرة "فنتاسمات" الساسة والسياسيين..لم تستبدل أسطورة بأخرى بل جمعت بين قصص الماضي السحيق والحديث في مدوّن واحد.. لم تفرز قائد دولة بل خليط عجيب غريب من القادة ومنتحلى الصفة... لم يكن لها محرّض واحد بل محرّضين من مشعوذين وأولياء صالحين ومهرّجين وإسلاميين وحداثيين...
ففي المعجم التونسي عبارة " ثار" لا تعنى القطع للقطع بل القطع مع التواصل.. فبتمثّله للثورة كمسار إصلاحي دستوري تراكمي تابع التونسي خطى "دودة القزّ" التي لا تنفصل عن شرنقتها حتى تستكمل نسج حريرها دون توقف...
فالربّان القرطاجنى.. والفاتح القيرواني..والزيتوني المصلح..ومؤسسي الدولة الحديثة.. جميعهم كانوا مدركين تمام الادرك أن التنوع قدر وتميّز هذه التربة ، فجاء الدستور فسيفسائي تأليفي للحلم التونسي في المراوحة بين الأصالة والمعاصرة.  
من نافلة القول أنّ المعركة الدستورية تخطّت الفصول لتنفذ إلى الكلمات، فحروف العطف والجرّ لتخترق البيوت والحانات والمقاهي والمساجد والفضاء الافتراضي.. وبتضمينها لمجموعة من الروافد القيمية الإنسانية العالية ( من حريات وحقوق وسلطة محلية  وهيئات دستورية ...) ارتقت هذه الوثيقة دون شك إلى مصاف "دستور قرطاج" في صيغته الحداثية المعاصرة..

أما قبل ...

II-    في "سيكولوجيا" الثورة التونسية...

قد لا نأتي بجديد تحت الشمس عندما نعيد اجترار المفاهيم النمطية للثورة الواحدة تلوى الأخرى.. على غرار أنّها لحظة من لحظات التاريخ الفارقة التي قد لا تتكرّر أو حالة من حالات "الشّياع المجتمعي" التي يتنازع على حصصها عدد من "المالكيين" و"منتحلي الصفة".. فيزعم المثقف انه ملهمها ..ويقسم الأجير والعاطل انه محرّكها ..ويأتي السياسي  لقطف ثمارها...
لكن قد نكون مجتهدين على الأقل عندما نحاول تفكيك المشهد التونسي لنعيد تركيب مفرداته  بشكل مختلف وفق مقاربات سيكولوجية لم يقع التطرق إليها من قبل في علاقة بسيكولوجية الحشود "لغوستاف لوبون"  والنظرية العامة للأمراض العصابية والذهانية "لسيغموند فرويد"...
- من منّا لم يعرف "العصاب" La Névrose في حياته وما تتميز به "الشخصية العصابية" من قلق وخوف وتوتر مستمرين وشعور دائم بالاكتئاب وبعدم الرضا والسعادة ؟
- من منّا لم يسمع عن حالة "الذهان " La Psychose وما تعتريها من اضطرابات عقلية وحالات فصام خطيرة كما تؤشر له جميع الإحصاءات الرسمية ؟
- من منّا لم يتمثّل في يوما من الأيام "طقس سيكولوجية الحشد" ؟
بين هذا وذاك وبمخرجات سلوكية في غاية التعقيد والتفرد متحررة تماما عن الأنساق "الفرويدية والغوستافية" المألوفة تشكّلت ملامح شخصية تونسية - سلوكية سيبرنية وألسنية جمعية - لم يعهدها تاريخ الثورات من قبل.. شخصية غمرت الساحات والأنهج والبوّابات الافتراضية على وجه الخصوص..نزلت صبيحة يوم 14 جانفى 2011 للحسم دون مراسم تأبين لنظام  سياسي ترهل من الداخل.. نطقت بلغة "حرق الجسد" وأدوات التخاطب الافتراضي الجديدة Smiley .. كلمة سرّ أطلقتها حنجرة جمعية واحدة بصوت عال "ارحل" « Dégage » اتّحد فيها البناء اللفظي المنطوق بلغة الإشارة في سابقة ألسنية نادرة.. كلّها عزم على تطهير المسرح من مدنّسات  الماضي.. أبطالها "المرئين" و"اللامرئين" بالخصوص طلائع من الشّباب المهمّش الذين أثثوا لأكبر حفلة تنكرية فايسبوكية عرفتها مطلع الألفية الثالثة، من تشكيلات مهنية قطاعية متعددة، وعسكريين محايدين، وأمنيين مهرسلين، وحرس سياسي قديم يتطلع إلى التجدد، وأيضا من إداريين لم يغادروا مواقع عملهم حرصا على ديمومة الدولة، انضاف إليهم جوقة من مقاولي السياسية والمتطفلين والمهرّجين ... جميعهم أنجزوا دون أن يدروا جيلا جديدا من الثورات، "براديغم" مستحدث يغازل القديم في حدود ما يقدمه للجديد منتقلا بالمعركة بين القديم والجديد من طور المواجهة إلى طور التزامل النفعي ... 
نموذج لم يقع في فخاخ وهم الايدولوجيا والتمثّلات العقائدية والزعامتية الزائفة .. لم يفسح المجال لاىّ خطيب فصيح أو ربّان مغامر لاختطافها .. يقودها عقلا جمعيا واعيا في منتهى الذكاء جسمّته لوحات تجمع بين الرسم الكوريغرافى الرائع والبناء الفوضوي ..صيّرت "العصاب" و"الذهان" الذي بدواخلنا إلى طاقة مدّ جارفة تجاوزت حدود الجغرافيا لتلتقطها شعوبا أخرى في أوّل عملية "اتّصال وجداني" بين الأمم لم نشهد لها مثيل في التجارب الثورية المقارنة معلنة عن قيام ساعة زمنية عربية جديدة بجميع المقاييس. 

عندما أسهب  "فرويد" في تشخيص "حالة العصاب"من خلال استنطاق العقل الباطن، وشرع "غوستاف لوبون " في وضع الأسس الأولى لنظرية سيكولوجية الحشد اعتمادا على نفس البديهية  -Axiome-: "محورية اللاشعور" ، لم يدر في خلدهما إطلاقا أنّ أركان معبد "اللاّشعور" الذي اجتهد عدد من أتباعهما لتحويله إلى "طوطم شعائري" - قد يهتز يوما من الأيام تحت أقدام أحفاد "يوغرطة" و"عليسة" وغيرهما في حركة جماعية معقلنة راوحت بين الهستيريا والإبداع، لازالت جذوتها مٌتقدة إلى اليوم أفضت مما أفضت إلى صياغة دستور توافقي جديد ..كان سيحظى حتما بنفس القدر من الإعجاب من قبل "أرسطو" لو كان اليوم بيننا !  
بتمايز عن المسلّمات الفرويدية التي تشدّد بأنّ الكشف عن السلوكات البشرية الفردية أو الجماعية المتناهية في التنوّع والتعقيد لا يتم إلاّ من خلال فكّ الارتباط المقدّس الثلاثي الأبعاد بين  : الهو le ça- والانا Le Moi- والانا الأعلى Le surmoi- والنجاح في عملية استدراج "الهو" إلى السطح.. جاءت الحالة الثورية التونسية لتستحدث بعدين مختلفين عن البنية اللاواعية "لفرويد" بعد أن أقصت "الأنا" نهائيا من حلبة الصراع مختزلة النزال المجتمعى بين "ذات جمعية واعية محبة للحياة"  و"ذات سلطوية فئوية في طور التحلّل".

ممّا لا شك أن ردود أفعال الأفراد داخل الحشود تختلف تعبيراتها عن حالتهم الفردية لتتخذ أشكالا أشبه ما تكون بالهستيريا الجماعية، تنطلق بحدث صادم مميز تتماهى معه في البداية مجموعات صغيرة تظهر حماسة مفرطة لتتسع دائرة العدوى أكثر فأكثر لتشمل جموعا غفيرة من الحشود البشرية ، غير أنّ ذلك لا يبرّر بشكل من الأشكال الإعلان الاطلاقى "الغوستافى" القائل بانّ الجماهير "لا تفهم لغة العقل" وانّ "لا شيء مدروس لدى الجماهير، فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف، وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق  وذلك تحت تأثير المحرضات السائدة" وأنه "بمجرد أن ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فانه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة"... "فغوستاف لوبون" على أهمية بحوثه عاصر ثورات مختلفة تنتمي إلى جيل قديم تقاد فيها الشعوب كالقطيع وراء الزعيم الفذ المبشر بالفردوس الضائع...

فى حين أنه في صبيحة يوم  14- جانفى - 2011 استفاقت الجموع الغفيرة لتجد نفسها متجهة صوب شارع الرمز، قبالة بناية الرمز، لإسقاط الرمز...  
وفي صبيحة يوم 23 أكتوبر 2011 انطلقت نفس الجموع وبنفس الحسّ الجمعي العالي صوب مكاتب الاقتراع في حجة الوداع  مع "العصاب" علّها تعثر عن ملائكة الرحمة...
نفس الجموع أو تكاد تدفقت في شكل سيول بشرية غير مسبوقة بعد أول اغتيال سياسي يوم 6 فيفرى 2012 لرفض مملكة الملائكة  والشياطين ...
بالنتيجة عرف رحاب "المجلس الوطني التأسيسي" مشهدا في غاية السريالية امتزج فيه البكاء بالقبلات بين خصوم الأمس القريب معلنا عن ولادة نص تأسيسي حٌرما "سيغموند فرويد" "وغوستاف لوبون" من الاستمتاع به ...

السؤال الأكثر راهنيه اليوم : إلى متى ستستمر هذه العناية الجمعية الفائقة ؟